محمد سعيد رمضان البوطي
290
فقه السيرة ( البوطي )
فتح مكة وكان ذلك في شهر رمضان سنة ثمان من هجرة النبيّ صلى اللّه عليه وسلم إلى المدينة . وسببها ، أن أناسا من بني بكر ، كلموا أشراف قريش في أن يعينوهم على خزاعة بالرجال والسلاح ، - وخزاعة كانت قد دخلت في عهد المسلمين - ، فأجابوهم إلى ذلك ، وخرج حشد من قريش متنكرين متنقبين ، فيهم صفوان بن أمية ، وحويطب بن عبد العزى ومكرز بن حفص ، فالتقوا مع بني بكر في مكان اسمه الوتير ، وبيتوا خزاعة ليلا وهم مطمئنون آمنون ، فقتلوا منهم عشرين رجلا ، وعندئذ خرج عمرو بن سالم الخزاعي في أربعين راكبا من خزاعة ، فقدموا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يخبرونه بما أصابهم ، فقام وهو يجر رداءه قائلا : « لا نصرت إن لم أنصر بني كعب ، مما أنصر منه نفسي » وقال : « إن هذا السحاب ليستهلّ بنصر بني كعب » « 1 » . وندمت قريش على ما بدر منها ، فأرسلت أبا سفيان بن حرب إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليجدد الهدنة ويماددها ، وقدم أبو سفيان على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فكلمه فلم يردّ عليه شيئا ، فذهب إلى أبي بكر فكلمه أن يكلم له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال : ما أنا بفاعل . ثم أتى عمر بن الخطاب فكلمه فقال : أأنا أشفع لكم إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؟ فو اللّه لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به . والذر : صغار النمل . وانطلق أبو سفيان عائدا إلى مكة خائبا ، لم يأت بشيء ! . وتجهز رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقد أخفى أمره ، وقال : « اللهم خذ على أبصار قريش فلا يروني إلا بغتة » « 2 » . ولما أجمع النبي صلى اللّه عليه وسلم المسير ، كتب حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش يحذرهم من غارة عليهم من المسلمين ، قال علي رضي اللّه عنه : فبعثني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنا ، والزبير ،
--> ( 1 ) روى ذلك ابن سعد وابن إسحاق ، وهذا النص من رواية ابن سعد ، قال ابن حجر : ورواه البزار والطبراني وموسى بن عقبة ، وغيرهم . ( 2 ) رواه ابن إسحاق وابن سعد بألفاظ متقاربة .