محمد سعيد رمضان البوطي

291

فقه السيرة ( البوطي )

والمقداد ، فقال : « انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ ، فإن بها ظعينة - امرأة - معها كتاب فخذوه منها » قال : فانطلقنا تعادى بنا خيلنا ، حتى أتينا الروضة ، فإذا نحن بالظعينة ، قلنا لها : أخرجي الكتاب ، قالت : ما معي كتاب ، فقلنا : لتخرجنّ الكتاب أو لنلقين الثياب ، قال : فأخرجته من عقاصها ، فأتينا به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فإذا فيه : من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس بمكة من المشركين يخبرهم ببعض أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « يا حاطب ما هذا » ؟ قال : يا رسول اللّه ، لا تعجل عليّ ، إني كنت امرآ ملصقا في قريش - أي كنت حليفا لهم ولست منهم - وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم وأموالهم ، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم ، أن اتخذ عندهم يدا يحمون قرابتي ، ولم أفعله ارتدادا عن ديني ولا رضى بالكفر بعد الإسلام ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إنه قد صدقكم » ، فقال عمر : يا رسول اللّه دعني أضرب عنق هذا المنافق ، فقال : « إنه قد شهد بدرا وما يدريك لعل اللّه اطلع من شهد بدرا » فقال : « اعملوا ما شئتم قد غفرت لكم » ، فأنزل اللّه تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ . . . [ الممتحنة : 1 ] الآيات إلى قوله تعالى : فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ [ الممتحنة : 1 ] « 1 » . واستخلف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على المدينة كلثوم بن حسين ، وخرج يوم الأربعاء لعشر ليال خلون من شهر رمضان بعد العصر ، وأرسل صلى اللّه عليه وسلم إلى من حوله من العرب : أسلم ، وغفار ، ومزينة ، وجهينة وغيرهم ، فالتقى كلهم في الظهران - مكان بين مكة والمدينة - وقد بلغ عدد المسلمين عشرة آلاف . ولم تكن الأنباء قد وصلت قريشا بعد ، ولكنهم كانوا يتوقعون أمرا بسبب فشل أبي سفيان فيما جاء به إلى المدينة ، فأرسلوا أبا سفيان ، وحكيم بن حزام ، وبديل بن ورقاء ليلتمسوا الخبر عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأقبلوا يسيرون ، حتى دنوا إلى مر الظهران فإذا هم بنيران عظيمة ، فبينما هم يتساءلون فيما بينهم عن هذه النيران ، إذ رآهم أناس من حرس رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأتوا بهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأسلم أبو سفيان « 2 » . قال ابن إسحاق يروي عن العباس تفصيل إيمان أبي سفيان : فلما أصبح ، غدوت به إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فلما رآه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « ويحك يا أبا سفيان ، ألم يأن لك أن

--> ( 1 ) متفق عليه واللفظ للبخاري . ( 2 ) إلى هنا من رواية البخاري ، وليس فيها كما ترى إشارة إلى إسلام صاحبيه أيضا ، والذي ذكره علماء السيرة ، وفي مقدمتهم موسى بن عقبة ، أن بديلا وحكيما أسلما بمجرد دخولهما على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وتأخر أبو سفيان بإسلامه حتى أصبح ، فلذلك عنيت رواية البخاري بذكر أبي سفيان وأهملت ذكر صاحبيه .