محمد سعيد رمضان البوطي

287

فقه السيرة ( البوطي )

للناس قبل أن يأتيهم خبرهم ، فقال : « أخذ الراية زيد فأصيب ، ثم أخذ الراية جعفر فأصيب ، ثم أخذ الراية ابن رواحة فأصيب - وعيناه تذرفان - حتى أخذ الراية سيف من سيوف اللّه ، حتى فتح اللّه عليهم » . وهذا الحديث يدل كما ترى ، على أن اللّه أيد المسلمين بالنصر أخيرا ، وليس كما قال بعض رواة السيرة أن المسلمين انهزموا وتفرقوا ، وعادوا بعد ذلك إلى المدينة ، ولعل مقصود الذين قالوا هذا ، أن المسلمين لم يتبعوا الروم ومن معهم في هزيمتهم ، واكتفوا بانكشافهم عن مواقعهم ، خوفا على المسلمين ، وانقلبوا عائدين إلى المدينة ، ولا شك أنه تدبير حكيم من خالد بن الوليد رضي اللّه عنه . قال ابن حجر : وقع في المغازي لموسى بن عقبة - وهي أصح المغازي - قوله : ثم أخذه - يعني اللواء - عبد اللّه بن رواحة فقتل ، ثم اصطلح المسلمون على خالد بن الوليد ، فهزم اللّه العدو وأظهر المسلمين ، قال العماد بن كثير : ويمكن الجمع بأن خالدا حاز المسلمين وبات ، ثم أصبح وقد غير هيئة العسكر فجعل الميمنة ميسرة والميسرة ميمنة ، ليتوهم العدو أن مددا قد جاء المسلمين ، فحمل عليهم خالد فولّوا فلم يتبعهم ورأى الرجوع بالمسلمين هي الغنيمة الكبرى « 1 » . ولما دنوا من المدينة ، تلقاهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ولقيهم الصبيان يسرعون ، فقال : « خذوا الصبيان فاحملوهم ، وأعطوني ابن جعفر » ! . . فأتي بعبد اللّه فأخذه فحمله بين يديه . . وجعل الناس يصيحون بالجيش : يا فرار ، فررتم في سبيل اللّه . . فيقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار إن شاء اللّه » . العبر والعظات : أهم ما يثير الدهشة في هذه الغزوة ، تلك النسبة الكبيرة من الفرق بين عدد المسلمين فيها وعدد مقاتليهم من الروم والمشركين العرب ! . . لقد رأيت أن عدد المشركين ومن معهم من الروم قد بلغ ما يقرب مائتي ألف مقاتل ! . . وذلك على ما رواه ابن إسحاق وابن سعد وعامة كتّاب السيرة « 2 » على حين أن عدد المسلمين لم يتجاوز ثلاثة آلاف ، ومعنى ذلك : أن عدد المشركين والروم قد بلغوا ما لا يقل عن خمسين ضعفا من عدد المسلمين ! . .

--> ( 1 ) انظر فتح الباري : 7 / 361 و 362 . ( 2 ) انظر طبقات ابن سعد : 3 / 175 ، وسيرة ابن هشام : 2 / 375 .