محمد سعيد رمضان البوطي

288

فقه السيرة ( البوطي )

وهي نسبة إذا ما تصورتها ، تجعل رقعة الجيش الإسلامي ، أمام حشود الروم والمشركين ، أشبه ما تكون بساقية ماء صغيرة بالنسبة إلى بحر خضم مائج ، هذا إلى ما كان قد جهز به جيش الأعداء من العدة والذخيرة والسلاح ومظاهر الأبهة والبذخ ، على حين أن المسلمين كانوا يعانون من ذلك القلة والفقر ! . . ومكان الدهشة في الأمر ، أن تجد المسلمين بعد هذا كله - وهم سرية ليس فيها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - مقبلين غير مدبرين ، لا يقيمون لكل هذه الحشود الهائلة أمامهم وزنا ، مع أنها - فيما يبدو ويظهر - لو التفّت من حولهم وطوقتهم من جهاتهم ، لا نقلبوا إلى ما يشبه نواة صغيرة في جوف قطعة أرض سوداء ! . . ثم إن مكان الدهشة بعد ذلك ، أن يصمد المسلمون لقتال هذا اليمّ المتلاطم ، يقتل أميرهم الأول ، ثم الثاني ، فالثالث ، وهم يقتحمون أبواب الشهادة في نشوة بالغة وإقبال عجيب ، حتى يدخل الرعب الإلهي في أفئدة كثيرة من المشركين ، دون أن يكون له سبب ظاهر ، فينكشفون عن مواقعهم ويدبر منهم الكثير ، وتقتل منهم خلائق لا تكاد تحصى ! . . ولكن الدهشة كلها تزول ، والعجب ينتهي ، إذ تذكرنا ما يفعله الإيمان باللّه ، والاعتماد عليه ، واليقين بوعده . بل إن المدهش بالنسبة للمسلمين - إذا كانوا مسلمين - أن لا يكونوا كذلك والعجيب فيهم حقا ، أن يكونوا مسلمين ثم يكون لأرقام العدد والعدّة حساب مع ذلك في أفكارهم ، إلى جانب ما وعد اللّه به من نصر وتأييد ، أو جنة ونعيم خالدين ! . . فالمسلمون - كما قال عبد اللّه بن رواحة رضي اللّه عنه - لا يقاتلون بعدد ولا قوة ولا كثرة ، وإنما يقاتلون بهذا الدين الذي أكرمهم اللّه به . ثم إن هذه الغزوة ، تنطوي ، على عظات ودلالات باهرة كثيرة ، نذكر منها ما يلي : أولا : دلت توصية النبي صلى اللّه عليه وسلم ، على أنه يجوز للخليفة أو رئيس المسلمين أن يعلق إمارة أحد الناس بشرط وأن يولّي المسلمين عدة أمراء بالترتيب ، كما فعل النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في تولية زيد ثم جعفر ثم عبد اللّه بن رواحة ، قال العلماء : والصحيح أنه إذا أمر الخليفة بذلك فإن ولاية الكل تنعقد بوقت واحد في الحال ، ولكنها لا تنفذ إلا مرتبة « 1 » . ثانيا : دلت توصية الرسول صلى اللّه عليه وسلم أيضا ، على مشروعية اجتهاد المسلمين في اختيار

--> ( 1 ) انظر فتح الباري : 7 / 361 .