محمد سعيد رمضان البوطي

260

فقه السيرة ( البوطي )

ووضعت الحرب ، وأمن الناس بعضهم بعضا ، والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة ، فلم يكلّم أحد بالإسلام يعقل شيئا إلا دخل فيه ، ولقد دخل في تينك السنتين مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر . ولذلك أطلق القرآن اسم الفتح على هذا الصلح ، وذلك في قوله تعالى : لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً [ الفتح : 27 ] . ومن الحكم الجليلة أيضا ، إن اللّه جل جلاله أراد بذلك أن يبرز الفرق واضحا بين وحي النبوة وتدبير الفكر البشري ، بين توفيق النبي المرسل وتصرف العبقري المفكر ، بين الإلهام الإلهي الذي يأتي من فوق دنيا الأسباب ومظاهرها ، والانسياق وراء إشارة هذه الأسباب وحكمها ، أراد اللّه عز وجل أن ينصر نبوة نبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم أمام بصيرة كل متأمل عاقل ، ولعل هذا من بعض تفسير قوله تعالى : وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً ( 3 ) [ الفتح : 3 ] ، أي نصرا فريدا في بابه ، من شأنه أن ينبه الأفكار السادرة والعقول الغافلة . فمن هنا أعطى المشركين كل ما سألوه من الشروط ، وتساهل معهم في أمور لم يجد أحد من الصحابة ما يسوّغ التساهل فيها ، ولقد رأيت كيف استبد الضيق والقلق بعمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، حتى إنه قال عن نفسه فيما بعد - فيما رواه أحمد وغيره - : ما زلت أصوم وأصلي وأتصدق وأعتق من الذي صنعت مخافة كلامي الذي تكلمت به يومئذ ولقد رأيت كيف ساد الوجوم القوم حينما أمرهم الرسول صلى اللّه عليه وسلم بالحلق والنحر ، ليعودوا إلى المدينة ، رغم أنه كرر عليهم الأمر ثلاث مرات ، لقد كان السر في ذلك أن الصحابة رضي اللّه عنهم إنما كانوا يتأملون في تصرفات النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، وهم يقفون على أرض من البشرية العادية ، فلا يتبصرونها إلا بمقدار ولا يفهمون منها إلا ما تفهمه عقولهم البشرية القائمة على الخبرات المحسوسة ، على حين كان النبيّ صلى اللّه عليه وسلم واقفا من تصرفاته هذه فوق مستوى البشرية وخبراتها وأسبابها ، كانت النبوة المطلقة هي التي توجهه وتلهمه وتوحي إليه ، وكان تنفيذ الأمر الإلهي هو وحده الماثل أمام عينيه . يتضح لك هذا من جوابه لعمر بن الخطاب حينما أقبل إليه سائلا ومتعجبا ، بل وربما مستنكرا ، فقد قال له : « إني رسول اللّه ولست أعصيه وهو ناصري » ، ويتضح لك هذا أيضا من وصية النبي صلى اللّه عليه وسلم ، لعثمان حينما أرسله إلى مكة ليكلم قريشا فيما جاء له النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فقد أمره أيضا أن يأتي رجالا بمكة مؤمنين ونساء مؤمنات ، فيدخل عليهم