محمد سعيد رمضان البوطي

261

فقه السيرة ( البوطي )

ويبشرهم بالفتح ويخبرهم أن اللّه عز وجل مظهر دينه بمكة ، حتى لا يستخفى فيها بالإيمان . فلا غرو أن يدهش المسلمون لموقف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الذي تمحض عن المفاهيم البشرية ومقاييسها في تلك الآونة ، ولكن سرعان ما انتهت الدهشة وزال الغم واتضح المبهم ، حينما تلا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عليهم سورة الفتح التي تنزلت عليه عقب الفراغ من أمر الصلح ، وتجلى للصحابة رضي اللّه عنهم أن احتمالهم لتلك الشروط كان عين النصر لهم ، وأن المشركين ذلوا من حيث تأملوا العز ، وقهروا من حيث أظهروا القدرة والغلبة ، وظهر من وراء ذلك كله النصر العظيم لرسوله والمؤمنين دون أن يكون في ذلك أي اقتراح للعقول والأفكار . فهل في أدلة العقيدة دليل على نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم أبلغ من هذا الدليل وأظهر ؟ . . ولقد تضايق المسلمون بادىء الأمر من موافقة النبي صلى اللّه عليه وسلم على الشرط الذي أملاه سهيل بن عمرو : من أتى محمدا من قريش بغير إذن وليه رده عليهم ، ومن جاء قريشا ممن مع محمد لم يرد عليه ، وازداد ضيقهم لما أقبل أبو جندل - ابن سهيل بن عمرو - فارا من المشركين يرسف في الحديد ، فقام إليه أبوه آخذا بتلابيبه وهو يقول : يا محمد ، قد لجت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا ، قال : « صدقت » فجعل ينتره ويجره ليرده إلى قريش ، وأبو جندل يصرخ بأعلى صوته : يا معشر المسلمين أأردّ إلى المشركين يفتنوني في ديني ؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « يا أبا جندل ، اصبر واحتسب فإن اللّه جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا ، إنا أعطينا القوم عهودا ، وإنا لا نغدر بهم » . ولقد أخذ الصحابة ينظرون إلى هذا الأمر ، وقد داخلهم من ذلك همّ عظيم . ولكن ، فما الذي تم بعد ذلك ؟ . . لقد جاء إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم بعد ذهابه إلى المدينة رجل آخر قد أسلم من قريش اسمه : أبو بصير ، فأرسلوا في طلبه رجلين من المشركين ليستردوه ، فسلمه الرسول صلى اللّه عليه وسلم إليهما ، فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة ، فغافل أبو بصير أحد حارسيه وأخذ منه سيفه فقتله ، ففر الآخر ، ثم عاد أبو بصير إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال له : يا نبي اللّه ، قد واللّه أوفى اللّه ذمتك ، قد رددتني إليهم فأنجاني اللّه منهم ، ثم إنه خرج حتى أتى سيف البحر ، وتفلت أبو جندل ، فلحق به هناك ، وأصبح ذلك المكان مثابة للمسلمين من أهل مكة ، فلا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير وإخوانه ، فما كانوا يسمعون بعير لقريش خرجت إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوا