محمد سعيد رمضان البوطي
259
فقه السيرة ( البوطي )
عفان قد قتل ، فقال : « لا نبرح حتى نناجز القوم » ، فدعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى البيعة ، فكانت بيعة الرضوان تحت شجرة هنالك . فكان صلى اللّه عليه وسلم يأخذ بيد أصحابه الواحد منهم تلو الآخر يبايعونه على أن لا يفرّوا ، وأخذ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بيد نفسه ، وقال : « هذه عن عثمان » . ولما تمت البيعة ، انتهى إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن الذي بلغه من مقتل عثمان باطل . العبر والعظات : كلمة وجيزة عن حكمة هذا الصلح : قبل أن نخوض في تفصيل ما ينبغي أن نقف عليه من دروس صلح الحديبية وعظاتها وأحكامهما ، نقول في كلمة وجيزة : إن أمر هذا الصلح كان مظهرا لتدبير إلهي تجلى فيه عمل النبوة وأثرها كما لم يتجل في أي عمل أو تدبير آخر ، فقد كان نجاحه سرا مرتبطا بمكنون الغيب المطوي في علم اللّه وحده ، ولذلك انتزع - كما قد رأيت - دهشة المسلمين أكثر مما اعتقد على فكرهم وتدبيرهم ، ومن هنا ، فإنا نعتبر أمر هذا الصلح ، بمقدماته ومضمونه ونتائجه ، من الأسس الهامة في تقويم العقيدة الإسلامية وتثبيتها . ولنتحدث أولا عن طرف من الحكم الإلهية العظيمة التي تضمنها هذا الصلح ، والتي تجلت للعيان فيما بعد ، حتى أضحت آية من آيات اللّه الباهرة ، ثم نتحدث بعد ذلك عن الأحكام الشرعية التي تضمنتها وقائع هذا الصلح . فمن الحكم الباهرة ، أن صلح الحديبية كان مقدمة بين يدي فتح مكة ، فقد كانت هذه الهدنة - كما يقول ابن القيم - بابا له ومفتاحا وتلك هي عادة اللّه سبحانه وتعالى ، يوطّىء بين يدي الأمور التي تعلقت إرادته بإنجازها ، مقدمات تؤذن بها وتدل عليها . ولئن لم يكن المسلمون قد تنبهوا لهذا في حينه ، فذلك لأن المستقبل غائب عنهم ، فأنّى لهم أن يفهموا علاقة الواقع الذي رأوه بالغيب الذي لم يتصوروه بعد ؟ ولكن ما إن مضت فترة من الزمن ، حتى أخذ المسلمون يستشفّون أهمية هذه الهدنة وعظيم ما قد انطوت عليه من خير ، فإن الناس أمن بعضهم بعضا ، واختلط المسلمون بالكفار ونادوهم بالدعوة ، وأسمعوهم القرآن ، وناظروهم على الإسلام جهرة آمنين ، وظهر من كان متخفيا بالإسلام . روى ابن هشام عن ابن إسحاق عن الزهري قال : ما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم منه - أي من صلح الحديبية - إنما كان القتال حيث التقى الناس ، فلما كانت الهدنة