محمد سعيد رمضان البوطي
256
فقه السيرة ( البوطي )
تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا مياه الحديبية ، ومعهم العوذ المطافيل « 1 » وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إنا لم نجىء لقتال أحد ، ولكن جئنا معتمرين ، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرّت بهم ، فإن شاؤوا ماددتهم مدة ويخلّوا بيني وبين الناس ، فإن أظهر فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد جمّوا - أي استراحوا - وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي ، ولينفذن اللّه أمره » ، فقال بديل : سأبلغهم ما تقول ، فانطلق بديل فحدث قريشا بما سمعه من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقام عروة بن مسعود يعرض على المشركين أن يأتي النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فيكلمه في تفصيل ما جاءهم به بديل بن ورقاء ، فقالوا له دونك فاذهب . فذهب ، فكلمه النبي صلى اللّه عليه وسلم بمثل ما كلم به بديلا ، فقال له عروة : أرأيت إن استأصلت أمر قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك ، وإن تكن الأخرى ، فإني واللّه لا أرى وجوها ، وإني لأرى أشوابا من الناس - أي أخلاطا منهم - خليقا أن يفرّوا ويدعوك ، فقال له أبو بكر رضي اللّه عنه : امصص بظر اللات أنحن نفرّ عنه وندعه ! . . فالتفت قائلا : من ذا ؟ قالوا : أبو بكر ، فقال : أما إنه لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها ، لأجبتك « 2 » ، ثم جعل يكلم النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فكلما تكلم أخذ بلحيته ، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ومعه السيف وعليه المغفر ، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، ضرب يده بنعل السيف ، وقال له أخر يدك عن لحية رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فرفع عروة رأسه فقال : من هذا ؟ قال : المغيرة بن شعبة ، فقال : أي غدر وهل غسلت سوأتك إلا بالأمس « 3 » ؟ . ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم بعينيه ، قال : فو اللّه ما تنخّم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده ، وإذا أمرهم
--> - هذا الحديث ، وقال : إنه جلس على البئر ثم دعا بإناء فمضمض ودعا اللّه ثم صبه فيها ، ثم قال دعوها ساعة ، ثم إنهم ارتووا بعد ذلك ، قال الحافظ ابن حجر في الفتح : ويمكن الجمع بينهما بأن يكون الأمران واقعين معا ، وأما حديث أنه صلى اللّه عليه وسلم وضع يده في ركوة ماء فجعل الماء يفور من بين أصابعه فتلك واقعة أخرى غير هذه ، وكل ذلك ثابت صحيح . ( 1 ) العوذ : جمع عائذ ، وهي الناقة ذات اللبن ، والمطافيل : الأمهات من النوق إذا كان معها أطفالها ، يريد إنهم خرجوا بكل ما يحتاجون حتى لا يرجعوا إلا بعد أن يمنعوا المسلمين من دخول مكة . ( 2 ) اليد : النعمة ، واليد التي يقصدها عروة ، أن عروة كان تحمل دية فأعانه أبو بكر فيها بعون حسن . ( 3 ) أراد عروة بذلك أن المغيرة بن شعبة قتل قبل إسلامه ثلاثة عشر رجلا فودي له عروة المقتولين .