محمد سعيد رمضان البوطي

257

فقه السيرة ( البوطي )

ابتدروا أمره ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده ، وما يحدّون إليه النظر تعظيما له . فرجع عروة إلى أصحابه فقال : أي قوم [ و ] اللّه لقد وفدت على الملوك ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي ، واللّه إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم محمدا ! . . وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها . ثم إنهم أرسلوا إليه سهيل بن عمرو ممثلا عنهم ليكتب بينهم وبين المسلمين كتاب بالصلح ، فلما جلس إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : هات أكتب بيننا وبينكم كتابا ، فدعا النبيّ صلى اللّه عليه وسلم الكاتب ( وكان الكاتب عليا رضي اللّه عنه ، فيما رواه مسلم ) فقال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « اكتب بسم اللّه الرحمن الرحيم » فقال سهيل : أما « الرحمن » فو اللّه ما أدري ما هي ، ولكن اكتب باسمك اللهم ، فقال المسلمون : واللّه لا نكتب إلا بسم اللّه الرحمن الرحيم ، فقال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « اكتب باسمك اللهم » ، ثم قال : « هذا ما قاضى عليه محمد رسول اللّه » ، فقال سهيل : واللّه لو كنا نعلم أنك رسول اللّه ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك ، ولكن اكتب « محمد بن عبد اللّه » فقال رسول اللّه : « واللّه إني لرسول اللّه وإن كذبتموني ! . . اكتب محمد بن عبد اللّه » ، وفي رواية مسلم : ( فأمر عليا أن يمحوها ، فقال عليّ : لا واللّه لا أمحوها ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أرني مكانها » ، فأراه مكانها فمحاها ) ، فقال له النبي صلى اللّه عليه وسلم : « على أن تخلّوا بيننا وبين البيت فنطوف به » ، فقال سهيل : واللّه ، لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة ، ولكن ذلك من العام القادم وليس مع المسلمين إلا السيوف في قرابها ، فكتب ، فقال سهيل : وعلى أن لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا ، ومن جاء منكم لم نرده عليكم ، فقال المسلمون : سبحان اللّه ، كيف يردّ إلى المشركين وقد جاء مسلما ؟ ! والتفتوا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يسألونه : أنكتب هذا يا رسول اللّه ؟ ! قال : « نعم ، إنه من ذهب منا إليهم فأبعده اللّه ، ومن جاءنا منهم فسيجعل اللّه له فرجا ومخرجا » « 1 » . وكانت مدة الصلح بناء على هذه الشروط - على ما رواه ابن إسحاق وابن سعد والحاكم - عشر سنين لا إسلال فيها ولا إغلال - أي لا سرقة ولا خيانة - وأنه من أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه ، فتواثبت خزاعة فقالوا : نحن في عقد محمد وعهده ، وتواثبت بنو بكر فقالوا : نحن في عقد قريش وعهدهم .

--> ( 1 ) ما بين القوسين تفصيل لرواية مسلم ، والحديث بطوله من لفظ البخاري مع زيادات لمسلم .