محمد سعيد رمضان البوطي
249
فقه السيرة ( البوطي )
مع إخوانه اليهود ، أنهم كانوا على يقين من نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم وعلى اطلاع تام على ما أثبتته التوراة من الحديث عنه صلى اللّه عليه وسلم وعن علاماته وبعثته ، ولكنهم كانوا عبيدا لعصبيتهم وتكبرهم ، وذلك هو سبب الكفر عند كثير ممن يتظاهر بعدم الإيمان والفهم ، وذلك هو الدليل البين على أن الإسلام في عقيدته وعامة أحكامه إنما هو دين الفطرة البشرية الصافية ، ينسجم في عقيدته مع العقل وينسجم في تشريعاته وأحكامه مع حاجات الإنسان ومصالحه ، فلن تجد من عاقل سمع باسم الإسلام وألمّ بحقيقته وجوهره ثم كفر به كفرا عقليا صادقا ، إنما هو أحد شيئين : إما أنه لم يسمع بالإسلام على حقيقته وإنما قيل له عنه كلام زائف باطل ، وإما أنه وقف على حقيقته واطلع على جوهره ، فهو يأباه إباء نفسيا لحقد على المسلمين أو غرض أو هوى يخشى فواته . خامسا : ( حكم القيام إكراما للقادم ) ، أمر النبيّ صلى اللّه عليه وسلم الأنصار حينما أقبل نحوهم سعد بن معاذ راكبا دابته أن يقوموا إليه تكريما له ، ودلّ على هذا التعليل قوله : « لسيدكم أو خيركم » ، وقد استدل عامة العلماء بهذا وغيره على مشروعية إكرام الصالحين والعلماء بالقيام إليهم في المناسبات الداعية إلى ذلك عرفا . يقول الإمام النووي في تعليق على هذا الحديث : « فيه إكرام أهل الفضل وتلقيهم بالقيام لهم إذا أقبلوا ، هكذا احتج به جماهير العلماء لاستحباب القيام ، قال القاضي : وليس هذا من القيام المنهي عنه ، وإنما ذلك فيمن يقومون عليه وهو جالس ويمثلون قياما طول جلوسه ، قلت : القيام للقادم من أهل الفضل مستحب ، وقد جاء فيه أحاديث ، ولم يصح في النهي عنه شيء صريح » « 1 » . ومن الأحاديث الثابتة الدالة أيضا على ذلك ، ما جاء في حديث كعب بن مالك المتفق عليه ، وهو يقص خبر تخلفه عن غزوة تبوك ، قال : فانطلقت أتأهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئوني بالتوبة ، ويقولون لي : لتهنك توبة اللّه عليك ، حتى دخلت المسجد ، فإذا رسول اللّه جالس حوله الناس ، فقام إليّ طلحة بن عبيد اللّه رضي اللّه عنه يهرول حتى صافحني وهنأني ، واللّه ما قام رجل من المهاجرين غيره - فكان كعب لا ينساها لطلحة - . ومن ذلك أيضا ما رواه الترمذي وأبو داود والبخاري في الأدب المفرد عن عائشة
--> ( 1 ) النووي على مسلم : 12 / 93 .