محمد سعيد رمضان البوطي
243
فقه السيرة ( البوطي )
نقول هذا ، لأن فئة مجهولة في عصرنا هذا ، أخذت تزعم زعما شنيعا في منتهى الغرابة ، وهو : أنه يجب على المسلمين أن يدفعوا « الجزية » ! إلى غير المسلمين إذا اقتضت الحاجة ، مستدلة على ذلك بأنه صلى اللّه عليه وسلم قد استشار أصحابه في غزوة الأحزاب أن يفعل ذلك ! . . وبقطع النظر عن هذا الذي أوضحناه من أن مضمون الرأي المعروض على بساط الاستشارة لا يعتبر دليلا تشريعيا ، فلسنا ندري ما الصلة بين « الجزية » وما يمكن أن يتصالح عليه فريقان متحاربان ؟ ! . فإن قلت : فهب أن المسلمين اضطروا - بسبب من أسباب الضعف - إلى الخروج عن بعض أموالهم ، حفظا على حياتهم وحذرا من أن تستأصل شأفة المسلمين ، أفليس لهم أن يفعلوا ذلك ؟ . فالجواب : أنه هنالك حالات كثيرة تستلب فيها أموال المسلمون وتصبح غنائم لأعدائهم ، ويستعدي فيها الكافرون على بلاد الإسلام وخيراتهم فيتمكنون فيها ويسيطرون عليها ، ومعلوم - بالبداهة - أن المسلمين لا يخضعون لشيء من ذلك عن طريق الاختيار واتباع الفتوى ، وإنما يلجؤون إلى ذلك إلجاء ويحملون عليه كرها ، وهم مع ذلك يتربصون بأعدائهم الفرص السانحة ، وأنت خبير أن أحكام الشريعة الإسلامية إنما يخاطب بها من لم يكن مكرها ولا ملجأ ولا صبيا أو مجنونا . وإذا فمن العبث انتزاع هذه الحالة التي هي من وراء حدود التكليف كيما يقرّر على أساسها حكم تكليفيّ يختار على أساس الرأي والمصلحة والمراوضة . خامسا : كيف وبأي وسيلة انتصر المسلمون وانهزم المشركون في هذه الغزوة ؟ . لقد رأينا أن الوسيلة التي التجأ إليها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه في غزوة بدر . هي نفسها التي التجأ إليها في الخندق . . إنها وسيلة التضرع إلى اللّه والإكثار من الإقبال عليه بالدعاء والاستغاثة ، بل لقد كان هو العمل المتكرر الدائم الذي ظل يفزع إليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، كلما لقي عدوا أو سار إلى جهاد ، وهي الوسيلة التي تعلو في تأثيرها على كل الأسباب والوسائل المادية الأخرى : وهي الوسيلة التي لا تصلح حال المسلمين إلا إذا قامت على أساسها بعناية كاملة . أما كيف انهزم المشركون على كثرتهم ، بعد ثبات المؤمنين وصبرهم وصدق التجائهم إلى اللّه تعالى ، فقد وصف اللّه الكيفية في كتابه المبين إذ قال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا