محمد سعيد رمضان البوطي

244

فقه السيرة ( البوطي )

اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً ( 9 ) إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ( 10 ) [ الأحزاب : 9 و 10 ] إلى قوله تعالى : وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً ( 25 ) [ الأحزاب : 25 ] . إن هذا المعنى الذي يتكرر في غزوات الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، ليس يعني إغراء المسلمين بالمغامرة والجهاد دون استعداد ولا تأهب ، وإنما هو لإيضاح أن على المسلم أن يعلم أن في مقدمة أسباب النصر المختلفة ، صدق الالتجاء إلى اللّه وإخلاص العبودية له ، فلن تجدي وسائل القوة كلها إذا لم تتوفر هذه الوسيلة بعينها ، وإذا تحققت في أعمال المسلمين هذه الوسيلة فحدّث عن معجزات النصر ولا حرج . وإلا فمن أين جاءت هذه الريح العاصفة تعصف بمعسكر المشركين وحدهم ، دون أن يشعر بها المسلمون إلى جانبهم ؟ ! . . هي هناك تقلب قدورهم وتطير خيامهم وتقلع أوتادها ، وتزلزل أفئدتهم بالرعب ، وهي هنا ريح باردة رخاء ، تنعش ولا تؤذي أحدا ! . . سادسا : لقد فاتت النبي صلى اللّه عليه وسلم صلاة العصر كما قد رأيت في هذه الموقعة ، لشدة انشغاله ، حتى صلاها قضاء بعدما غربت الشمس ، وفي روايات أخرى غير الصحيحين أن الذي فاته ، أكثر من صلاة واحدة ، صلّاها تباعا بعدما خرج وقتها وفرغ لأدائها . وهذا يدل على مشروعية قضاء الفائتة ، ولا ينقض هذه الدلالة ما ذهب إليه البعض من أن تأخير الصلاة لمثل ذلك الانشغال كان جائزا إذ ذاك ثم نسخ حينما شرعت صلاة الخوف للمسلمين رجالا وركبانا عند التحام القتال بينهم وبين المشركين ، إذ النسخ - على فرض صحته - ليس واردا على مشروعية القضاء ، وإنما هو وارد على صحة تأخير الصلاة بسبب الانشغال ، أي أن نسخ صحة التأخير ليس نسخا لما كان قد ثبت من مشروعية القضاء أيضا ، بل هي مسكوت عنها ، فتبقى على مشروعيتها السابقة ، على أن الذي يقتضيه الدليل القطعي ، هو أن صلاة الخوف شرعت قبل هذه الغزوة كما مر تحقيق ذلك عند الحديث عن غزوة ذات الرقاع « 1 » . ومن أدلة هذه المشروعية أيضا ما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال بعد منصرفه إلى المدينة من غزوة الأحزاب ، « لا يصلين أحد العصر أو الظهر إلا في بني قريظة » ،

--> ( 1 ) سيأتي .