محمد سعيد رمضان البوطي

242

فقه السيرة ( البوطي )

بها النبيّ صلى اللّه عليه وسلم من وراء قيمة الأسباب المادية وسلطانها ، فهي من أهم ما يبرز معالم شخصيته النبوية للدارس المتأمل ، أريد من القارئ أن ينتبه بفكره إلى هذه الحقيقة ، بمقدار ما يمعن بعضهم في الإعراض عنها ، وإن قابلتهم وجها لوجه أثناء البحث ، بأدلة ثابتة لا تقبل الشك . رابعا : ما هي الحكمة ، ترى ، في استشارته عليه الصلاة والسلام لبعض أصحابه في أن يعرض صلحا على غطفان ، قوامه إعطاؤهم ثلث ثمار المدينة على أن ينصرفوا عن تأييد قريش ومن معهم ، ويرجعوا عن حرب المسلمين ، وما هي الدلالة التشريعية التي تؤخذ من تفكيره هذا ؟ . . أما الحكمة ، فهي أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يريد أن يطمئن إلى مدى ما يتمتع به أصحابه الصادقون ، من القوة المعنوية والاعتماد على نصر اللّه وتوفيقه على الرغم من هذا الذي فوجئوا به من اجتماع أشتات المشركين عليهم في كثرة ساحقة ، إلى جانب ما طلعت به بنو قريظة في الوقت نفسه من نقض العهود والمواثيق ، وقد كان من عادته صلى اللّه عليه وسلم - كما قد رأيت - أنه لم يكن يحب أن يسوق أصحابه إلى حرب أو مغامرة لا يجدون في أنفسهم شجاعة كافية لخوضها ، أو لا يؤمنون بجدواها ، وقد كان هذا من أبرز أساليبه التربوية صلى اللّه عليه وسلم لأصحابه ، فمن أجل ذلك ، عرض على أصحابه هذا الرأي ، وأنبأهم أنه ليس تبليغا من اللّه تعالى ، وإنما هو شيء يبديه لهم كي يكسر عنهم شوكة المشركين ، إذا كانوا لا يجدون في أنفسهم طاقة على مقابلتهم . وأما الدلالة التشريعية في هذه الاستشارة ، فهي محصورة في مجرد مشروعية مبدأ الشورى في كل ما لا نص فيه ، وهي بعد ذلك لا تحمل أي دلالة على جواز صرف المسلمين أعداءهم عن ديارهم إذا ما اقتحموها ، باقتطاع شيء من أرضهم أو خيراتهم لهم ، إذ مما هو متفق عليه في أصول الشريعة الإسلامية أن الذي يحتج به من تصرفاته صلى اللّه عليه وسلم إنما هو أقواله وأفعاله التي قام بها ، ثم لم يرد اعتراض عليها من كتاب اللّه تعالى ، فأما ما كان من ذلك في حدود الاستشارة والرأي المجردين فلا يعتبر دليلا بحال ، إذ الاستشارة أولا : يمكن أن يكون المقصود منها مجرد استطلاع لما في النفوس كما ذكرنا ، أي فهي ممارسة لعمل تربوي بحت ، وهي ثانيا : حتى ولو انتهت بعمل تنفيذي ، يمكن أن يرد عقبه اعتراض من كتاب اللّه تعالى ، فلا تبقى فيه أي دلالة تشريعية . على أن علماء السيرة نصّوا ، كما قد رأيت ، على أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم لم يبرم صلحا مع غطفان ولم تقع شهادة ولا عزيمة على الصلح وإنما كان الأمر مراوضة لم يتجاوزها .