محمد سعيد رمضان البوطي

237

فقه السيرة ( البوطي )

ثم خرج حتى أتى غطفان فقال لهم مثل الذي قال لقريش ، وهكذا تألب بعضهم على بعض ، واختفت الثقة مما بينهم ، وأصبح كل فريق منهم يتهم الفريق الآخر بالغدر والخيانة . أما الوسيلة الثانية ، فهي ريح هو جاء مخيفة في ليلة مظلمة باردة ، جاءت فقلبت قدورهم واقتلعت خيامهم ، وقطعت أوتادهم ، وذلك بعد بضعة عشر يوما من المحاصرة التي ضربها المشركون على المسلمين . وروى مسلم بسنده عن حذيفة بن اليمان رضي اللّه عنه قال : لقد رأيتنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليلة الأحزاب ، وأخذتنا ريح شديدة وقرّ ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ألا رجل يأتيني بخبر القوم جعله اللّه معي يوم القيامة » ، فسكتنا فلم يجبه منا أحد ، ثم قال : « ألا رجل يأتينا بخبر القوم جعله اللّه معي يوم القيامة » فسكتنا فلم يجبه منا أحد ، - ردد ذلك رسول اللّه ثلاثا - ثم قال : « قم يا حذيفة فأتنا بخبر القوم » ، فلم أجد بدا إذ دعاني باسمي أن أقوم ، قال : « اذهب فأتني بخبر القوم ولا تذعرهم علي » ، فلما وليت من عنده جعلت كأنما أمشي في حمام ، حتى أتيتهم ، فرأيت أبا سفيان يصلي ظهره بالنار ، فوضعت سهما في كبد القوس ، فأردت أن أرميه ، فذكرت قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ولا تذعرهم علي » ، ولو رميته لأصبته ، فرجعت وأنا أمشي في مثل الحمام ، فلما أتيته فأخبرته بخبر القوم وفرغت ، فألبسني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها ، فلم أزل نائما حتى أصبحت ، قال : « قم يا نومان » « 1 » . ورواه ابن إسحاق بزيادة - فدخلت في القوم ، والريح وجنود اللّه تفعل بهم ما تفعل لا تقرّ لهم قدرا ولا نارا ولا بناء ، فقام أبو سفيان فقال : يا معشر قريش لينظر امرؤ من جليسه ؟ قال حذيفة فأخذت بيد الرجل الذي كان إلى جانبي فقلت له : من أنت ؟ قال : فلان بن فلان ، ثم قال أبو سفيان : يا معشر قريش ، إنكم واللّه ما أصبحتم بدار مقام ، لقد هلك الكراع والخف ، وأخلفتنا بنو قريظة ، وبلغنا عنهم الذي نكره ، ولقينا من شدة الريح ما ترون . . فارتحلوا فإني مرتحل « 2 » .

--> ( 1 ) رواه مسلم : 5 / 177 ، ورواية البخاري توهم أن الذي خرج إنما هو الزبير ، غير أن ذلك يتعلق بحادثة أخرى ، فقد أرسله النبي صلى اللّه عليه وسلم ليعلم له علما عن بني قريظة ، أما الذي خرج إلى الأحزاب فهو حذيفة كما نص على ذلك عامة علماء السيرة ، وانظر عيون الأثر لابن سيد الناس وفتح الباري لابن حجر . ( 2 ) سيرة ابن هشام : 2 / 231 .