محمد سعيد رمضان البوطي

238

فقه السيرة ( البوطي )

وفي صباح اليوم الثاني ، كان المشركون كلهم قد ولوا الأدبار ، وعاد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وصحبه إلى المدينة . وكان لا يفتر عليه الصلاة والسلام طيلة هذه الأيام والليالي عن الاستغاثة والتضرع والدعاء للّه تعالى أن يؤتي المسلمين النصر ، وكان من جملة دعائه عليه الصلاة والسلام في ذلك : « اللهم منزل الكتاب سريع الحساب اهزم الأحزاب ، اللهم اهزمهم وزلزلهم » « 1 » . ( ) وفي هذه الغزوة فاتت النبي صلى اللّه عليه وسلم الصلاة في وقتها فقضاها بعد خروج الوقت ، فقد ورد في الصحيحين أن عمر بن الخطاب جاء يوم الخندق بعدما غربت الشمس فجعل يسب كفار قريش ، فقال : يا رسول اللّه : ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب ! . . قال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « واللّه ما صليتها » ، فقمنا إلى بطحان فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها ، فصلى العصر بعدما غربت الشمس ، ثم صلى بعدها المغرب « 2 » . وزاد مسلم على هذا حديثا آخر أنه صلى اللّه عليه وسلم قال يوم الأحزاب : « شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ، ملأ اللّه بيوتهم وقبورهم نارا » ، ثم صلاها بين العشاءين : بين المغرب والعشاء . العبر والعظات : وهذه الغزوة أيضا - كما ترى - قامت على أساس من غدر اليهود وكيدهم ، فهم الذين أثاروا ، وألّبوا ، وجمعوا الجموع والأحزاب ، ولم يتوقف ذلك على بني النضير الذين كانوا قد أخرجوا من المدينة ، بل اشترك معهم بنو قريظة الذين كانوا لا يزالون مرتبطين بعهود ومواثيق مع المسلمين ، دون أن يجدوا منهم أي مكروه من شأنه أن يدعوهم إلى نقض تلك العهود والمواثيق ! . . ولم نعد بحاجة إلى أن نعلّق على هذا ونحوه ، ونستنبط منه العظات أو الدروس ، فهو من جليات الأمور التي أصبحت من المقولات التاريخية المعروفة في كل زمان ومكان . ولنعد الآن إلى هذا الذي استعرضناه من وقائع هذه الغزوة ومشاهدها لنقف على ما تنطوي عليه من دروس وعظات وأحكام ، وسنلخصها في الأمور التالية : أولا : لقد كان من جملة الوسائل الحربية التي استعملها المسلمون في هذه الغزوة

--> ( 1 ) رواه البخاري . ( 2 ) متفق عليه واللفظ للبخاري .