محمد سعيد رمضان البوطي
234
فقه السيرة ( البوطي )
الحرب - فخرجوا من المدينة وعسكر بهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في سفح جبل سلع فجعلوه خلفهم ، ثم هبوا جميعا يحفرون الخندق بينهم وبين العدو ، كان المسلمون يومئذ ثلاثة آلاف ، وعدد ما اجتمع من قريش والأحزاب والقبائل الأخرى عشرة آلاف « 1 » . ( ) مشاهد من عمل المسلمين في حفر الخندق : روى البخاري عن البراء رضي اللّه عنه قال : لما كان يوم الأحزاب ، وخندق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رأيته ينقل من تراب الخندق حتى وارى عني التراب جلدة بطنه وكان كثير الشعر ، وروي عن أنس رضي اللّه عنه أن الأنصار والمهاجرين كانوا يرتجزون وهم يحفرون الخندق وينقلون التراب على متونهم : نحن الذين بايعوا محمدا * على الإسلام ما بقينا أبدا فيجيبهم النبي صلى اللّه عليه وسلم : « اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة فبارك في الأنصار والمهاجرة » « 2 » . وروى البخاري أيضا في صحيحه عن جابر رضي اللّه عنه قال : إنا يوم الخندق نحفر فعرضت كدية شديدة ، فجاؤوا النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فقالوا هذه كدية عرضت في الخندق ، فقال : « أنا نازل » ، ثم قام وبطنه معصوب بحجر ، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا ، فأخذ النبي صلى اللّه عليه وسلم المعول فضرب ، فعاد كثيبا أهيل ( أو أهيم ) فقلت : يا رسول اللّه ائذن لي إلى البيت ، فقلت لامرأتي : رأيت بالنبي صلى اللّه عليه وسلم شيئا ما كان لي في ذلك صبر ، فعندك شيء ؟ قالت : عندي شعير وعناق « 3 » فذبحت العناق وطحنت الشعير حتى جعلنا اللحم في البرمة « 4 » ، ثم جئت النبيّ صلى اللّه عليه وسلم والعجين قد انكسر والبرمة بين الأثافي « 5 » قد كادت أن تنضج ، فقلت طعّيم لي ، فقم أنت يا رسول اللّه ورجل أو رجلان ، قال : « كم هو ؟ » فذكرت له ، قال : كثير طيب ، فقل لها لا تنزع البرمة ولا الخبز من التنور حتى آتي ، ثم نادى المهاجرين والأنصار فقال لهم : « قوموا . . » وفي طريق أخرى : فصاح النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « يا أهل الخندق ، إن جابرا قد صنع سورا « 6 » فحيّ هلا بكم » ، فلما دخل جابر على امرأته قال : ويحكم جاء النبي بالمهاجرين والأنصار ومن معهم ! . . قالت : هل سألك كم طعامك ؟ قال : نعم ، قالت : اللّه ورسوله أعلم .
--> ( 1 ) طبقات ابن سعد وسيرة ابن هشام . ( 2 ) البخاري : 5 / 46 ، وروى مسلم عن البراء نحوه بألفاظ قريبة : 6 / 187 . ( 3 ) هي الأنثى من المعز . ( 4 ) البرمة : القدر . ( 5 ) الأثافى : الحجارة التي توضع عليها القدر . ( 6 ) السور : بضم السين بدون همزة يطلق على الصنيع العام من الطعام .