محمد سعيد رمضان البوطي
235
فقه السيرة ( البوطي )
ثم جاء النبي فقال : « ادخلوا ولا تضاغطوا » ، فجعل يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم ويخمّر البرمة والتنور إذا أخذ منه ، ويقرب إلى أصحابه ثم ينزع ، فلم يزل يكسر الخبز ويغرف حتى شبعوا وبقي بقية ! قال : « كلي هذا واهدي ، فإن الناس أصابتهم مجاعة » ، وفي رواية أخرى : فأقسم باللّه لقد أكلوا حتى تركوا وانصرفوا ، وإن برمتنا لتغطّ كما هي ، وإن عجيننا ليخبز كما هو « 1 » . ( ) موقف المنافقين من العمل في الخندق : روى ابن هشام أنه أبطأ عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وعن المسلمين في عملهم في الخندق رجال من المنافقين ، وجعلوا يورّون بالضعيف من العمل ، ويتسللون إلى أهلهم بغير علم من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وكان الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بد له منها يستأذنه في اللحوق بحاجته فيأذن له ، فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله ، وفي ذلك نزل قوله تعالى : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 62 ) [ النور : 62 ] . ( ) نقض بني قريظة للعهد : وخرج حيي بن أخطب النضري حتى أتى كعب بن أسد القرظي فأغراه بنقض العهد مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقال له : جئتك بقريش على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من رومة ، وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذنب نقمى إلى جانب أحد ، قد عاهدوني وعاقدوني على أن لا يبرحوا حتى نستأصل محمدا ومن معه ، فقال له كعب : جئتني واللّه بذل الدهر . . ويحك يا حيي فدعني وما أنا عليه ، فإني لم أر من محمد إلا صدقا ووفاء ، ولم يزل حيي بكعب حتى أقنعه بالخيانة ونقض العهد ، وانتهى الخبر إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأرسل سعد بن معاذ ليتحقق من الخبر وأوصاه أن يلحن له بإشارة يفهمها إذا كان الخبر حقا ، وأن لا يفت في أعضاد الناس وإن كان كذبا فليجهر به في الناس ، فلما استطلع سعد الخبر ورآه حقا عاد إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال له : عضل والقارة ، أي كغدر عضل والقارة ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « اللّه أكبر ، أبشروا يا معشر المسلمين » « 2 » . ( ) ما آل إليه حال المسلمين إذ ذاك : بلغ المسلمين خبر نقض بني قريظة للعهد ، وذر قرن المنافقين بينهم يفتّون في عضد المسلمين ، وجاءهم العدو من فوقهم ومن أسفل
--> ( 1 ) صحيح البخاري : 6 / 46 ، وانظر فتح الباري : 7 / 379 و 380 . ( 2 ) طبقات ابن سعد وسيرة ابن هشام .