محمد سعيد رمضان البوطي
226
فقه السيرة ( البوطي )
شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة ، فأنزل اللّه عز وجل : وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى [ النور : 22 ] إلى قوله : أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ النور : 22 ] فقال أبو بكر : بلى واللّه إني لأحب أن يغفر اللّه لي ، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفقها عليه . ثم خرج صلى اللّه عليه وسلم إلى الناس فخطبهم ، وتلا عليهم ما أنزل اللّه تعالى من القرآن في ذلك ، ثم أمر بمسطح بن أثاثة ، وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش وكانوا ممن أفصح بالفاحشة ، فضربوا حدهم « 1 » . العبر والدلالات : نأخذ من هذه الغزوة ما يلي : أولا : مشروعية تقسيم الغنائم بين المقاتلين ، بعد استثناء السلب والخمس من الغنيمة ، فأما السلب - وهو ما يكون مع المقتول من سلاح ونحوه - فيجوز أن يأخذه القاتل لقوله صلى اللّه عليه وسلم : « من قتل قتيلا فله سلبه » وأما الخمس فهو لمن ذكرهم اللّه تعالى في كتابه : وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ [ الأنفال : 41 ] ، وأما الأخماس الأربعة فتوزع على المقاتلين كما يفعل رسول اللّه . وهذا متفق عليه بين الأئمة في الأموال المنقولة ، أما الأرض فقد وقع في أمر تقسيمها خلاف عرضنا له عند الحديث عن أمر بني النضير . ثانيا : حكم العزل عند الجماع أو - تحديد النسل - . ويتبع ذلك إسقاط النطفة أو العلقة قبل نفخ الروح فيها ، كما يتبع ذلك عموم ما يسمى اليوم بتحديد النسل . والحديث الذي ذكرناه في هذا صريح بجواز العزل ، فقد قال لهم حينما استفتوه في ذلك : « ما عليكم أن لا تفعلوا » ، وفي رواية مسلم : « لا عليكم أن لا تفعلوا ما من نسمة كائنة من يوم القيامة إلا وهي كائنة » . أي ليس عليكم أن تتركوا العزل ، لأن ما قد قدر اللّه واقع لا ريب فيه ، فلا يمكن أن يمتنع المقدر بعملكم ، وأصرح من هذا الحديث ما رواه الشيخان عن جابر رضي اللّه عنه أنه قال : كنا نعزل على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والقرآن ينزل .
--> ( 1 ) رواه أبو داود وابن ماجة وابن إسحاق وغيرهم .