محمد سعيد رمضان البوطي

227

فقه السيرة ( البوطي )

وقد ذهب جمهور الأئمة بناء على هذا إلى جواز ممارسة العزل ، ولكنهم اشترطوا لذلك موافقة الزوجة ، لما قد يكون من الضرر بها ، غير أنه يكره ذلك إذا كان سببه خشية النفقة وقلة ذات اليد . وخالف ابن حزم الجمهور ، فذهب إلى حرمة العزل مطلقا ، مستدلا بما رواه مسلم أن النبي صلى اللّه عليه وسلم سئل عن العزل ، فقال : « ذلك الوأد الخفي » ، واستدل بأحاديث أخرى كلها موقوفة على الصحابة ، فمن ذلك ما رواه بسنده عن نافع أن ابن عمر كان لا يعزل ، وقال : لو علمت أحدا من ولدي يعزل لنكلته ، ومنه ما رواه من طريق الحجاج بن المنهال أن علي بن أبي طالب كان يكره العزل . وأجاب ابن حزم عن حديث جابر الذي استدل به الجمهور بأنه منسوخ « 1 » . وذكر ابن حجر في فتح الباري رأي ابن حزم هذا ثم قال : وهذا معارض بحديثين أحدهما أخرجه الترمذي والنسائي وصححه من طريق معمر عن يحيى بن كثير . . عن جابر قال : كانت لنا جواري وكنا نعزل ، فقالت اليهود : إن تلك الموؤودة الصغرى ، فسئل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن ذلك فقال : « كذبت اليهود ، لو أراد اللّه خلقه لم تستطع رده » ، قال : والحديث الثاني في النسائي من وجه آخر عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة « 2 » . أقول : وواضح أن قول النبي صلى اللّه عليه وسلم عن العزل : الوأد الخفي ، لا يعني التحريم ، بل الأظهر أن يحمل كلامه هذا - على ضوء الأحاديث الثابتة الأخرى - على النهي التنزيهي كما ذهب إلى ذلك الجمهور . ودعوى ابن حزم أن الأحاديث المبيحة للعزل منسوخة ، يردّها ما رواه الستة خلا أبا داود من حديث جابر : كنا نعزل على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والقرآن ينزل ، زاد مسلم : فبلغ ذلك نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم فلم ينهنا ، فلو لا أن حكم إباحة العزل ظل مستمرا إلى وفاته صلى اللّه عليه وسلم ، لما قال جابر رضي اللّه عنه ذلك ، ولأوضح آخر ما استقر عليه الحكم الشرعي . وحكم إسقاط النطفة قبل نفخ الروح فيها يتبع ما ذكرنا من حكم العزل ، إلا أن بعضا من الجماهير الذين أفتوا بالعزل حرموا الإسقاط ، ولعلهم تحرجوا عن القياس في ذلك ، واعتبروا المضغة أقرب إلى التخلق والذات الإنسانية من النطفة قبل العلوق ، وهو

--> ( 1 ) انظر المحلى لابن حزم : 10 / 87 . ( 2 ) راجع فتح الباري : 9 / 245 .