محمد سعيد رمضان البوطي

220

فقه السيرة ( البوطي )

المحادثة في طريق عودتهما إلى المدينة ، مع أنها لا تتعلق بشيء من أمر الغزوة لما فيها من الصورة الكاملة الدقيقة لخلق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مع أصحابه ، وما انطوى عليه خلقه الكريم هذا من لطف في المعاشرة ورقة في الحديث وفكاهة في المحاورة ومحبة شديدة لأصحابه . فأنت إذا تأملت جيدا في هذه القصة التي سردناها ، علمت أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم كان متأثرا بالمحنة التي طافت على بيت جابر بن عبد اللّه ، فقد استشهد والده في أحد ، فقام هو - وهو أكبر أولاد أبيه - على شأن الأسرة ورعاية الأطفال الكثيرين الذين خلّفهم له والده من ورائه ، وهو على ذلك رقيق الحال ليس له نصيب وافر من الدنيا . وكأنما استشعر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في تأخر جابر عن القوم بسبب جمله الضعيف الذي لا يملك غيره ، مظهرا لحالته العامة هذه . . - وقد كان من عادته صلى اللّه عليه وسلم إذا سار مع صحبه في طريق أن يتفقد أصحابه كلهم ويطمئن عليهم بين كل فترة وأخرى - ، فانتهزها فرصة وتخلف حتى التقى معه وراح يواسيه بأسلوبه الرقيق الفكه الذي رأيت ، في طريق ليس معهما فيه ثالث . عرض عليه صلى اللّه عليه وسلم شراء بعيره ، وهو إنما يريد أن يجعل من ذلك ذريعة ومناسبة لإكرامه ومساعدته على وضعه الذي هو فيه ، ثم سأله عن الزوجة والبيت في أسلوب فكه رقيق ، وراح يطمئن الزوج الجديد ، أنهم إذا وصلوا قريبا من المدينة أقاموا ساعات هناك ، حتى يتسامع أهل المدينة بمقدمهم ، فتسمع زوجته ، فتصلح له من شأنها ، وتهيئ له البيت بزينته ونمارقه ، وينساق معه جابر في الأسلوب نفسه فيقول : واللّه يا رسول اللّه ما لنا من نمارق ! . . فيجيبه عليه الصلاة والسلام قائلا : « إنها ستكون » . صورة رائعة عن لطف معشره ، وأنس حديثه ، والفكاهة الحلوة في محاورته لأصحابه ، لم يكتب لنا أن نراها ونسعد بها في مجالسه صلى اللّه عليه وسلم وغزواته وأسفاره ، ولكن ها نحن نستشفها من سيرته وأخباره العطرة فيهزنا الشوق إلى رؤيته التي حرمناها ومجالسه التي سمعنا بها ولم نرها ، وغزواته التي قرأناها ، ولم يكن لنا شرف الاشتراك فيها ، اللهم عوضنا عن ذلك كله بلقاء معه في جنان خلدك ، وهيّئنا لذلك بتوفيق من لدنك للتمسك بهديه واقتفاء أثره في تحمل كل محنة وضيم في سبيل دينك وتحقيق شريعتك . خامسا : لا بد من أن يقف المسلم وقفة متأملة طويلة ، أمام خبر ذينك الصحابيين ، وهما يقومان على الثغر الذي أمرهما رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بحراسته ، ليعلم طبيعة الجهاد الإسلامي وكيف كان يمارسه أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم .