محمد سعيد رمضان البوطي
221
فقه السيرة ( البوطي )
لم يكن الجهاد عملا حركيا يقوم على أساس المقاومة المادية المجردة ، ولم يتصور واحد من أولئك المسلمين هذه الصورة الشوهاء له ولا في لحظة واحدة . إنما الجهاد : كما علّمه الرسول أصحابه وكما فهمه الصحابة منه - عبادة كبرى يتعلق فيها كيان المسلم كلّه يخالفه جل جلاله خاشعا مستغيثا متبتلا ، وما ساعة يكون فيها المؤمن أقرب إلى ربه جل جلاله من تلك الساعة التي يستدبر فيها الدنيا ويستقبل بوجهه شطر الموت والاستشهاد . ولذلك ، كان من الطبيعي جدا بالنسبة لذلك الأنصاري ، « عباد بن بشر » رضي اللّه عنه ، أن يشغل شطر حراسته من الليل بركعات خاشعة يقف فيها بين يدي ربه جل جلاله ، وقد انصرفت مشاعره كلها إلى مناجاته بآيات من كتابه الكريم . وكان من الطبيعي جدا أن لا يبالي بذلك السهم الذي أسرع فانحط في جسمه ، ولا بالسهم الثاني الذي تبعه ، لأن بشريّته كلها إنما كانت في تلك الساعة مطويّة ضمن مشاعره المنصرفة إلى ربه جل جلاله وقد غمرتها لذة المناجاة بين العبد وخالقه . ولما ارتدّ شعوره إليه وأخذ يهتم بما قد أصابه ، لم يكن ذلك لمزيد من الألم بدأ يشعر به ، وإنما للمسؤولية المنوطة به مخافة أن يضيّعها بضياع حياته واستمرار سكوته ، فكان ذلك هو الذي اضطره إلى أن يلتفت فيوقظ صاحبه ليستلم منه أمانة الثغر الذي أنيط بهما حفظه . وتأمل يا أخي المسلم في قوله رضي اللّه عنه : وأيم اللّه ، لولا أن أضيع ثغرا أمرني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بحفظه ، لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفذها - أي الصلاة - . تلك هي طبيعة الجهاد الذي تكفل اللّه لأربابه بالنصر والفوز ، مهما كانت القوى المتألبة عليهم المتجمعة من حولهم . فقارن - ليتقطع منك الكبد حسرة وأسى : بين ذلك الجهاد و « الجهاد » الآخر الذي نفخر باسمه وشعاراته اليوم . قارن ، لتقف على مدى عدالة اللّه في الأرض ، ولتعلم أن اللّه لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون . ثم ارفع يديك إلى السماء متوسلا أن لا يهلكنا اللّه بما فعل المبطلون ، واجهد أن تسكب قطرات حارة من دمع عينيك فيهما ، فلعل في ذل العبودية إذ نتسربل به صادقين أمام اللّه ، ما يردّ عنا نقمة حقت علينا بتقصيرنا وما جنيناه من سيىء الأعمال على نفوسنا .