محمد سعيد رمضان البوطي
206
فقه السيرة ( البوطي )
المنافقين ، وأن يتخذ اللّه منهم شهداء ، وأن يتجلّى المعنى التنفيذي للمبايعة التي جرت بين اللّه وعباده المؤمنين ، والتي صرح بها قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ . . . [ التوبة : 111 ] وأي معنى كان يبقى للتوقيع على صك هذه المعاهدة ، لو أن كل ما جاء في مضمونها وهم لا يتحقق ؟ ! بل وأي قيمة تبقى حينئذ لهذا التوقيع حتى يحرز به صاحبه الجنة والسعادة الأبدية الخالدة . والمشكلة في أساسها ، إنما تطوف في رأس من قدر هذه الحياة العاجلة أكثر من قدرها الحقيقي وأولاها أكثر مما تستحق من الاهتمام ، وضعف تعلقه في المقابل بالحياة الآخرة وشأنها ، وتلك هي آية عدم الإيمان باللّه تعالى أو ضعفه في النفس ، ومثل هؤلاء الناس لا ينتظر منهم أن يغامروا بروح ولا مال ، أما المؤمنون حقا فالمشكلة غير متصوّرة لديهم من أساسها ، فلذّة الحياة الدنيا في يقينهم ، أقل شأنا من أن تحبس المسلم عن أداء أصغر طاعة يتقرب بها إلى خالقه ، وما التضحية بالروح في يقينهم إلا الانطلاقة من سجن الدنيا إلى نعيم الآخرة ، وأنعم بها من غاية هي كل أمل المسلم في حياته التي يعيشها . وهذا الشعور يتجلى بأوضح صورة في الأبيات التي قالها خبيب عند مقتله ، خاصة في آخر بيت منها ، وهو قوله : ولست بمبد للعدو تخشعا * ولا جزعا ، إني إلى اللّه مرجعي