محمد سعيد رمضان البوطي

182

فقه السيرة ( البوطي )

سترها لوجهها تحقيقا لحكم ديني يأمرها بذلك ، لما وجد اليهود ما يدفعهم إلى ما صنعوا ، لأنهم إنما أرادوا من ذلك مغايظة شعورها الديني الذي كان يبدو جليا في مظهرها . وقد يقال : إن في هذه القصة التي تفرد بروايتها ابن هشام بعض اللين ، فلا تقوى على الدلالة على مثل هذا الحكم ، إلا أنه يشهد لها أحاديث كثيرة أخرى ثابتة لا مجال للطعن فيها . فمن ذلك ما رواه البخاري عن عائشة رضي اللّه عنها ، في باب ما يلبس المحرم من الثياب ، قالت : لا تلثّم - أي المرأة - ولا تتبرقع ولا تلبث ثوب بورس ولا زعفران ، ومثله ما رواه مالك في الموطأ عن نافع أن عبد اللّه بن عمر كان يقول : لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين « 1 » . فما معنى نهي المرأة عن أن تتبرقع أو تتنقب أثناء الإحرام بالحج ، ولماذا كان هذا النهي خاصا بالمرأة دون الرجل ؟ لا شك أن النهي فرع عما كانت تفعله المرأة المسلمة إذ ذاك من الانتقاب وإسدال البرقع على وجهها ، فاقتضى الحكم استثناء ذلك في الحج . ومنه ما رواه مسلم وغيره من حديث فاطمة بنت قيس أنها لما طلقها زوجها ، فبت طلاقها أمرها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن تعتدّ في بيت أم شريك ، ثم أرسل إليها أن بيت أم شريك يغشاه أصحابي - أي أصحاب الرسول صلى اللّه عليه وسلم - ، فاعتدي في بيت ابن عمك ابن أم مكتوم ، فإنه ضرير البصر وإنك إذا وضعت خمارك لم يرك . هذا من حيث ما ورد من الأدلة على وجوب ستر المرأة وجهها وبقية جسمها عن الرجال الأجانب . أما من حيث الدليل على حرمة النظر إلى ذلك منها ، فقد وردت بذلك أحاديث كثيرة أيضا . فمن ذلك ما رواه أحمد وأبو داود والترمذي عن بريرة قالت : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لعلي : « يا علي لا تتبع النظرة النظرة ، فإنما لك الأولى وليست لك الآخرة » ومن ذلك ما رواه البخاري عن ابن عباس أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أردف الفضل بن العباس يوم النحر خلفه - وفيه قصة المرأة الخثعمية الوضيئة - فطفق الفضل ينظر إليها ، فأخذ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم بذقن الفضل فحول وجهه عن النظر إليها .

--> ( 1 ) البخاري : 3 / 146 ، والموطأ : 1 / 328 .