محمد سعيد رمضان البوطي
183
فقه السيرة ( البوطي )
فأنت ترى أنه قد اجتمع في هذه الأحاديث نهيان : نهي المرأة عن كشف وجهها أو شيء مما سواه أمام الأجانب ، ونهي الرجل عن النظر إلى ذلك منها ، وفي دلالة وافية متكاملة على أن وجه المرأة عورة في حق الأجانب عنها إلا في حالات خاصة مستثناة كضرورة التطبب والتعلم والشهادة ونحو ذلك . على أن من أئمة المذاهب من ذهب إلى أن الوجه والكفين من المرأة ليسا بعورة ، فلا يجب سترهما وحملوا ما سبق من الأحاديث الدالة على خلاف ذلك على الندب دون الوجوب ، غير أن الجميع اتفقوا على أنه لا يجوز النظر إلى شيء من جسم المرأة بشهوة ، وعلى أنه يجب على المرأة أن تستر وجهها إذا عم الفسق وأصبح أكثر الذين ينظرون إليها فساقا يتأملونها بنظرات محرمة . وإذا تأملت في حال المسلمين اليوم وما عم فيه من الفسق والفجور وسوء التربية والأخلاق ، علمت أنه لا مجال للقول بجواز كشف المرأة وجهها والحالة هذه ، إن هذا المنحدر الخطير الذي يسير فيه المجتمع الإسلامي اليوم يقتضي - لضمان السلامة والحفظ - مزيدا من الحذر في السير ومزيدا من التشدد في أسباب الحيطة ريثما يتجاوز المسلمون مرحلة الخطر ويصبحون قادرين على امتلاك أمرهم وضبط أزمتهم بأيديهم . وبعبارة موجزة نقول : إن من شأن اتباع الرخص والتسهيلات الدينية ، أن تصبح منزلقا ، تحت أقدام أصحابها ، إلى التحلل العام عن أصل الواجبات ، ما لم يوجد تيار اجتماعي ديني سليم يضبط تلك الرخص ضمن منهج إسلامي عام ويحفظها عن أن تشتط وتتجاوز الحدود المشروعة . ومن عجيب أمر بعض الناس أنهم يتعلقون بهذا الذي يسمونه : تبدل الأحكام بتبدل الأزمان في مجال التخفيف والتسهيل والسير مع مقتضيات التحلل من الواجبات فقط ، ولكنهم لا يتذكرون هذه القاعدة إطلاقا عندما يقتضيهم الأمر عكس ذلك ، وأنا فلست أجد مثالا تتجلى فيه ضرورة تبدل الأحكام بتبدل الأزمان مثل ضرورة القول بوجوب ستر المرأة وجهها نظرا لمقتضيات الزمن الذي نحن فيه ، ونظرا لما تكاثر فيه من المنزلقات التي تستوجب مزيدا من الحذر في السير وتبصر مواقع الأقدام ريثما يهيىء اللّه للمسلمين مجتمعهم الإسلامي المنشود . ثانيا : هذه الحادثة التي صدرت من يهود قينقاع ، تدل على حقد دفين في صدورهم على المسلمين ، ولكن لماذا تأخرت دلائل هذا الحقد في الظهور والانكشاف خلال ثلاث سنين من الزمن استطاع اليهود خلالها أن يكظموا حقدهم ويبطنوا كيدهم ؟ .