محمد سعيد رمضان البوطي
181
فقه السيرة ( البوطي )
فقال له : أرسلني ، وغضب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى رأوا لوجهه ظللا ، ثم قال له : ويحك أرسلني ، قال : لا واللّه لا أرسلك حتى تحسن في مواليّ : أربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع قد منعوني من الأحمر والأسود ، تحصدهم في غداة واحدة ؟ إني واللّه امرؤ أخشى الدوائر ، فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « هم لك » ، وأمرهم أن يخرجوا من المدينة ولا يجاوروه بها ، فخرجوا إلى أذرعات الشام ، وهلك أكثرهم فيها . وكان لعبادة بن الصامت من المحالفة مع هؤلاء اليهود مثل الذي لعبد اللّه بن أبيّ ، فمشى إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قائلا : إنني أتولى اللّه ورسوله صلى اللّه عليه وسلم والمؤمنين وأبرأ من حلف هؤلاء الكفار وولايتهم . ففيهما نزل قوله تعالى : * يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 51 ) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ ( 52 ) [ المائدة : 51 و 52 ] . العبر والعظات : هذه الواقعة تدل على جملتها ، على مدى ما ركب في اليهود من طبيعة الغدر والخيانة ، فلا تروق لهم الحياة مع من يجاورونهم أو يخالطونهم إلا بأن يبيتوا لهم شرا أو يحيكوا لهم غدرا ، وهم على أتم الاستعداد لأن يخلقوا جميع الوسائل والأسباب لذلك ، ولدى دراستنا التفصيلية لهذه الحادثة نخرج بدروس ومبادئ نجملها فيما يلي : أولا : ( حجاب المرأة المسلمة ) - لقد رأينا أن مصدر الحادثة هو إرادة اليهود المرأة العربية المسلمة على كشف وجهها ، وذلك حينما دخلت في سوقهم لأمر يخصها . . ولا تنافي بين هذا السبب الذي رواه ابن هشام والسبب الآخر الذي رواه بقية رواة السيرة ، من حقدهم على المسلمين عقب انتصارهم في غزوة بدر وقولهم لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إنا واللّه لئن حاربتنا لتعلمن أنا نحن الناس ، فالأغلب أن السببين واقعان معا وكل منهما يتمم الآخر ، إذ من البعيد أن ينبذ إليهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عهدهم لمجرد ظهور بوادر الضغينة على وجوههم وفي كلماتهم ، بل لا بد أنهم قد تصرفوا مع ذلك تصرفا أساؤوا فيه إلى المسلمين على نحو ما رواه ابن هشام . وهو يدل على أن الحجاب الذي شرعه الإسلام للمرأة سابغ للوجه أيضا ، وإلا لم يكن هنالك أي حاجة إلى أن تسير هذه المرأة في الطريق ساترة وجهها ، ولو لم يكن