محمد سعيد رمضان البوطي
180
فقه السيرة ( البوطي )
بافتداء الأسرى فإذا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأبو بكر قاعدين يبكيان ، فقلت : يا رسول اللّه : أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك ؟ فإن وجدت بكاء بكيت ، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أبكي للذي عرض عليّ أصحابك من أخذهم الفداء ، لقد عرض عليّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة » - شجرة قريبة من النبي صلى اللّه عليه وسلم - ، وأنزل اللّه عز وجل : ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ [ الأنفال : 67 ] إلى قوله : فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً « 1 » [ الأنفال : 69 ] . بنو قينقاع وأول خيانة يهودية للمسلمين قال ابن إسحاق : كان من أمر بني قينقاع أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جمعهم بسوق قينقاع ثم قال : « يا معشر اليهود ، احذروا من اللّه عز وجل مثل ما نزل بقريش من النقمة ، وأسلموا فإنكم قد عرفتم أني نبي مرسل ، تجدون ذلك في كتابكم وفي عهد اللّه إليكم » ، قالوا : يا محمد إنك ترى أنا كقومك ؟ ! . لا يغرنك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب فأصبت فرصة ، إنا واللّه لئن حاربتنا لتعلمن أنا نحن الناس . وروى ابن هشام عن عبد اللّه بن جعفر بن المسور بن مخرمة عن أبي عوانة أن امرأة من العرب قدمت بجلب « 2 » لها ، فباعته بسوق بني قينقاع ، وجلست إلى صائغ بها ، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها ، فأبت ، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها ، فعقده إلى ظهرها ، فلما قامت انكشفت سوأتها ، فضحكوا منها ، فصاحت ، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله ، وكان يهوديا ، وشدت اليهود على المسلم فقتلوه فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على يهود ، فغضب المسلمون ، فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع ، فكان هؤلاء أول يهود نقضوا العهد الذي بينهم وبين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « 3 » ، وكان ذلك ، فيما رواه الطبري والواقدي في منتصف شوال من السنة الثانية للهجرة « 4 » . فحاصرهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مدة من الزمن ، حتى نزلوا على حكمه ، فقام إليه عبد اللّه بن أبيّ بن سلول فقال : يا محمد ، أحسن في مواليّ ! . . فلم يلتفت إليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وكرر ثانية فأعرض عنه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأدخل يده في جيب درعه صلى اللّه عليه وسلم
--> ( 1 ) مسلم : 5 / 158 . ( 2 ) هو ما يجلب إلى السوق للبيع . ( 3 ) سيرة ابن هشام : 2 / 47 . ( 4 ) الطبري : 2 / 480 ، وطبقات ابن سعد : 3 / 67 .