محمد سعيد رمضان البوطي

162

فقه السيرة ( البوطي )

أي دستور حديث يعني بوضع الخطوط الكلية الواضحة لنظام الدولة في الداخل والخارج : أي فيما يتعلق بعلاقة أفراد الدولة بعضهم مع بعض ، وفيما يتعلق بعلاقة الدولة مع الآخرين . وحسبنا هذا الدستور الذي وضعه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بوحي من ربه واستكتبه أصحابه ، ثم جعله الأساس المتفق عليه فيما بين المسلمين وجيرانهم اليهود - حسبنا ذلك دليلا على أن المجتمع الإسلامي قام منذ أول نشأته على أسس دستورية تامة ، وأن الدولة الإسلامية قامت - منذ أول بزوغ فجرها - على أتم ما قد تحتاجه الدولة من المقومات الدستورية والإدارية . وظاهر أن هذه المقومات ، أساس لا بد منه لتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في المجتمع ، إذ هي في مجموعها إنما تقوم على فكرة وحدة الأمة الإسلامية وما يتعلق بها من البنود التنظيمية الأخرى ، ولا يمكن أن نجد أرضية يستقر عليها حكم الإسلام وتشريعه ما لم يقم هذا التنظيم الدستوري الذي أوجده رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، على أنه في الوقت نفسه جزء من الأحكام الشرعية نفسها . ومن هنا تسقط دعاوي أولئك الذين يغمضون أبصارهم وبصائرهم عن هذه الحقيقة البديهية ، ثم يزعمون أن الإسلام ليس إلا دينا قوامه ما بين الإنسان وربه ، وليس له من مقومات الدولة والتنظيم الدستوري شيء ، وهي أحبولة عتيقة ، كان يقصد منها محترفو الغزو الفكري وأرقاء الاستعمار ، أن يقيدوا بها الإسلام كي لا ينطلق فيعمل عمله في المجتمعات الإسلامية ولا يصبح له شأن قد يتغلب به على المجتمعات المنحرفة الأخرى ، إذ الوسيلة إلى ذلك محصورة في أن يكون الإسلام دينا لا دولة ، وعبادات مجردة ، لا تشريعا وقوانين ، وحتى لو كان الإسلام دينا ودولة في الواقع ، فينبغي أن ينقلب فيصبح غير صالح لذلك ولو بأكاذيب القول . غير أن هذه الأحبولة تقطعت سريعا ، لسوء حظ أولئك المحترفين ، وأصبح الحديث عنها من لغو القول ومكشوف الحقد والضغائن . ولكن مهما يكن ، فينبغي أن نقول ، ونحن بصدد تحليل هذه البنود العظيمة : إن مولد المجتمع الإسلامي نفسه إنما كان ضمن هيكل متكامل للدولة ، وما تنزلت تشريعاته إلا ضمن قوالب من التنظيم الاجتماعي المتناسق من جميع جهاته وأطرافه ، وهذه الوثيقة أكبر شاهد على ذلك .