محمد سعيد رمضان البوطي
163
فقه السيرة ( البوطي )
وهذا مع غض النظر عن قيمة الأحكام التشريعية نفسها من حيث إنها قطع وأجزاء إذا ضمّت إلى بعضها تكوّن منها تنظيم متكامل لبناء دستوري وإداري عظيم . 2 - إن هذه الوثيقة تدل على مدى العدالة التي اتسمت بها معاملة النبيّ صلى اللّه عليه وسلم لليهود ، ولقد كان بالإمكان أن تؤتي هذه المسألة العادلة ثمارها فيما بين المسلمين واليهود ، لو لم تتغلب على اليهود طبيعتهم من حب للمكر والغدر والخديعة ، فما هي إلا فترة وجيزة حتى ضاقوا ذرعا بما تضمنته بنود هذه الوثيقة التي التزموا بها ، فخرجوا على الرسول والمسلمين بألوان من الغدر والخيانة سنفصل الحديث عنها في مكانها المناسب إن شاء اللّه ، فكان المسلمون بذلك في حل مما التزموا به تجاههم . 3 - دلت هذه الوثيقة على أحكام هامة في الشريعة الإسلامية نذكر منها ما يلي : أولا : يدلنا البند الأول منها على أن الإسلام هو وحده الذي يؤلف وحدة المسلمين وهو وحده الذي يجعل منهم أمة واحدة ، وعلى أن جميع الفوارق والمميزات فيما بينهم تذوب وتضمحل ضمن نطاق هذه الوحدة الشاملة ، تفهم هذا جليا واضحا من قوله عليه الصلاة والسلام : « المسلمون من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم ، أمة واحدة من دون الناس » ، وهو أول أساس لا بد منه لإقامة مجتمع إسلامي متماسك سليم . ثانيا : يدلنا البند الثاني والثالث على أن من أهم سمات المجتمع الإسلامي ظهور معنى التكافل والتضامن فيما بين المسلمين بأجلى صوره وأشكاله ، فهم جميعا مسؤولون عن بعضهم في شؤون دنياهم وآخرتهم ، وإن عامة أحكام الشريعة الإسلامية إنما تقوم على أساس هذه المسؤولية ، وتحدد الطرائق التنفيذية لمبدأ التكافل والتضامن فيما بين المسلمين . ثالثا : يدل البند السادس على مدى الدقة في المساواة بين المسلمين لا من حيث إنها شعار براق للزينة والعرض ، بل من حيث إنها ركن من الأركان الشرعية الهامة للمجتمع الإسلامي ، يجب تطبيقه بأدق وجه وأتم صورة ، وحسبك مظهرا لتطبيق هذه المساواة بين المسلمين ما قرره النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في هذا البند بقوله : « ذمة اللّه واحدة ، يجير عليهم أدناهم » ومعنى ذلك أن ذمة المسلم أيا كان محترمة ، وجواره محفوظ لا ينبغي أن يجار عليه فيه ، فمن أدخل من المسلمين أحدا في جواره ، فليس لغيره حاكما أو محكوما أن ينتهك حرمة جواره هذا ، والمرأة المسلمة لا تختلف في هذا عن الرجل إطلاقا ، فلجوارها - أيا كانت - من الحرمة ما لا يستطيع أن ينتهكه أي إنسان مهما علت رتبته وبلغت منزلته ، وذلك بإجماع عامة العلماء ، وأئمة المذاهب ، غير أنه يشترط لذلك