محمد سعيد رمضان البوطي
160
فقه السيرة ( البوطي )
واحدة ، فهي ليست في الحقيقة شيئا آخر غير الأخوة القائمة على أساس جامعة الإسلام ووحدة العقيدة ، وإنما هي تأكيد لها عن طريق التطبيق . الأساس الثالث ( كتابة وثيقة بين المسلمين وغيرهم ) وهذا الأساس هو أهم ما قام به النبي عليه الصلاة والسلام مما يتعلق بالقيمة الدستورية للدولة الجديدة ، وروى ابن هشام أن النبي عليه الصلاة والسلام لم تمض له سوى مدة قليلة في المدينة حتى اجتمع له إسلام عامة أهل المدينة من العرب ، ولم يبق دار من دور الأنصار إلا أسلم أهلها ، عدا أفرادا من قبيلة الأوس ، فكتب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كتابا بين المهاجرين والأنصار وادع فيه اليهود وعاهدهم ، وأقرهم على دينهم وأموالهم وشرط لهم واشترط عليهم . وقد ذكر ابن إسحاق هذا الكتاب بدون إسناد ، وذكره ابن خيثمة فأسنده : حدثنا أحمد بن جناب - أبو الوليد - ثنا عيسى بن يونس ، ثنا كثير بن عبد اللّه بن عمرو المزني عن أبيه عن جده أن رسول اللّه عليه الصلاة والسلام كتب كتابا بين المهاجرين والأنصار ، فذكر نحو ما ذكره ابن إسحاق « 1 » ، وذكره الإمام أحمد في مسنده فرواه عن سريج قال : حدثنا عباد عن حجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم كتب كتابا بين المهاجرين والأنصار . . . إلخ « 2 » . ونحن لن نأتي بنص الكتاب كله ، فهو طويل ، ولكننا نجتزىء منه البنود الهامة بنصوصها الواردة في كتابه عليه الصلاة والسلام ، كي نقف من ورائها على مدى القيمة الدستورية للمجتمع الإسلامي ودولته الناشئة في المدينة ، وهذه هي البنود مرتبة حسب ترتيبها في نص الكتاب نفسه : 1 - المسلمون من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم ، أمة واحدة من دون الناس . 2 - هؤلاء المسلمون جميعا على اختلاف قبائلهم يتعاقلون بينهم ، ويفدون عانيهم « 3 » المعروف والقسط بين المؤمنين .
--> ( 1 ) انظر عيون الأثر لابن سيد الناس 1 / 198 . ( 2 ) انظر مسند أحمد 21 / 10 شرح البنا . ( 3 ) العاني : الأسير .