محمد سعيد رمضان البوطي

159

فقه السيرة ( البوطي )

ولذلك أيضا ، جعل اللّه سبحانه وتعالى حق الميراث منوطا بهذا التآخي ، دون حقوق القرابة والرحم ، فقد كان من حكمة هذا التشريع أن تتجلى الأخوّة الإسلامية حقيقة محسوسة في أذهان المسلمين ، وأن يعلموا أن ما بين المسلمين من التآخي والتحابب ليس شعارا وكلاما مجردين ، وإنما هي حقيقة قائمة ذات نتائج اجتماعية محسوسة يتكون منها أهم الأسس اللازمة لنظام العدالة الاجتماعية . أما حكمة نسخ التوارث على أساس هذه الأخوة فيما بعد ، فهي أن نظام الميراث الذي استقر أخيرا ، إنما هو نفسه قائم أخوة الإسلام بين المتوارثين ، إذ لا توارث بين ذوي دينين مختلفين ، إلا أن الفترة الأولى من الهجرة وضعت كلا من الأنصار والمهاجرين أمام مسؤولية خاصة من التعاون والتناصر والمؤانسة ، بسبب مفارقة المهاجرين لأهلهم وتركهم ديارهم وأموالهم في مكة ونزولهم ضيوفا على إخوانهم الأنصار في المدينة ، فكان ما أقامه الرسول صلى اللّه عليه وسلم من التآخي بين أفراد المهاجرين والأنصار ضمانة لتحقيق هذه المسؤولية ، ولقد كان من مقتضى هذه المسؤولية أن يكون هذا التآخي أقوى في حقيقته وأثره من أخوّة الرحم المجردة . فلما استقر أمر المهاجرين في المدينة وتمكن الإسلام فيها ، وغدت الروح الإسلامية هي وحدها العصب الطبيعي للمجتمع الجديد في المدينة ، أصبح من المناسب انتزاع القالب الذي كان قد صب فيه نظام العلاقة بين المهاجرين والأنصار إثر التقائهم في المدينة ، إذ لا يخشى على هذا النظام بعد اليوم من التفكك والتميع في ظل الأخوة الإسلامية العامة وما يترتب عليها من المسؤوليات المختلفة ، ولا ضير حينئذ أن يعود تأثير قرابة الرحم بين المسلمين من حيث كونها مؤثرا زائدا على قرابة الإسلام وأخوته . ثم إن هذا التآخي الذي عقده رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار كان مسبوقا بمؤاخاة أخرى أقامها النبيّ صلى اللّه عليه وسلم بين المهاجرين في مكة ، قال ابن عبد البر : « كانت المؤاخاة مرتين : مرة بين المهاجرين خاصة ، وذلك بمكة ، ومرة بين المهاجرين والأنصار » « 1 » . وهذا يؤكد لنا أنّ مناط الأخوة وأساسها إنما هو رابطة الإسلام غير أنها احتاجت إلى تجديد وتأكيد بعد الهجرة بسبب ظروفها وبسبب اجتماع المهاجرين والأنصار في دار

--> ( 1 ) انظر فتح الباري : 7 / 191 .