محمد سعيد رمضان البوطي
155
فقه السيرة ( البوطي )
والعمارة إنما تكون بالتشييد وتقوية البناء والعناية به . وأما النقش والزخرفة ، فقد أجمع العلماء على كراهتهما ، ثم هم في ذلك بين محرّم ومكرّه كراهة تنزيه ، غير أن الذين قالوا بالحرمة والذين قالوا بالكراهة اتفقوا على أنه يحرم صرف المال الموقوف لعمارة المساجد على شيء من الزخرفة والنقش ، أما إذا كان المال المصروف على ذلك من الباني نفسه فيرد الخلاف فيه ، وقد ذكر الزركشي نقلا عن الإمام البغوي أنه لا يجوز نقش المسجد من غلة الوقف ، ويغرم القيّم إن فعله ، فلو فعله رجل بماله كره لأنه يشغل قلب المصلين « 1 » . والفرق بين عموم التشييد وخصوص الزخرفة والنقش واضح . فالأول كما قلنا لا يترتب عليه وصف أو معنى يخل بالحكمة التي من أجلها شرع بناء المسجد ، أما الزخرفة والنقش فإن كلا منهما يترتب عليه معنى يخل بالحكمة ، إذ من شأنه صرف قلوب المصلين عن الخشوع والتدبر وشغلها بمظاهر الدنيا ، على حين يقصد من الدخول في المسجد الهرب من التصورات الدنيوية وتفريغ البال من زينتها ومغرياتها . وهذا ما نبه إليه عمر رضي اللّه عنه ، فقد روى البخاري في صحيحة أنه أمر ببناء مسجد فقال : « أكنّ الناس من المطر وإياك أن تحمرّ أو تصفرّ ، فتفتن الناس » . وقد اختلف العلماء في كتابة آية من القرآن في قبلة المسجد هل هي داخلة في النقش الممنوع أم لا ؟ يقول الزركشي في كتابه إعلام الساجد : ( ويكره أن يكتب في قبلة المسجد آية من القرآن أو شيئا منه ، قال مالك ، وجوزه بعض العلماء ، وقال : لا بأس به ، لما روي من فعل عثمان ذلك بمسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولم ينكر ذلك عليه ) « 2 » . ومما ذكرناه يتبين لك خطأ ما يعمد إليه كثير ممن يهتمون بتعمير المساجد وتشييدها اليوم ، حيث ينصرفون بكل جهودهم إلى التفنن في تزيينها ونقشها وإضفاء مختلف مظاهر الأبهة عليها ، حتى إن الداخل إليها لا يكاد يستشعر أي معنى من ذل العبودية للّه عز وجل ، وإنما يستشعر ما ينطق به لسان حالها من الافتخار بما ارتقى إليه فن الهندسة المعمارية ، وفنون الزخرفة العربية .
--> ( 1 ) هذا عند فقهاء الشافعية ، وأجاز ذلك الحنفية وغيرهم إذا اقتضت المصلحة . ( 2 ) إعلام الساجد : ص 337 .