محمد سعيد رمضان البوطي
156
فقه السيرة ( البوطي )
ومن أسوأ نتائج هذا التلاعب الشيطاني ببسطاء المسلمين ، أن الفقراء لم يعودوا يستطيعون أن يتهربوا من مظاهر الإغراء الدنيوي إلى أي جهة ، لقد كان في المساجد ما يعزي الفقير بفقره ، ويخرجه من جو الدنيا وزخرفها إلى الآخرة وفضلها ، فأصبحوا يجدون حتى في مظهر هذه المساجد ما يذكّرهم بزخرف الدنيا التي حرموها ويشعرهم بنكد الفقراء وأوضاره . فيا للّه ، ما أسوأ ما وقع فيه المسلمون من هجران لحقائق إسلامهم وانشغال بمظاهر كاذبة ظاهرها الدين وباطنها الدنيا بكل ما فيها من شهوات وأهواء . الأساس الثاني ( الأخوة بين المسلمين ) ثم إن الرسول صلى اللّه عليه وسلم آخى بين أصحابه من المهاجرين والأنصار ، آخى بينهم على الحق والمواساة ، وعلى أن يتوارثوا بينهم بعد الممات ، بحيث يكون أثر الأخوة الإسلامية في ذلك أقوى من أثر قرابة الرحم . فجعل جعفر بن أبي طالب ومعاذ بن جبل أخوين ، وجعل حمزة بن عبد المطلب وزيد بن حارثة أخوين ، وجعل أبا بكر الصديق رضي اللّه عنه وخارجة بن زهير أخوين ، وعمر بن الخطاب وعتبان بن مالك أخوين ، وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع أخوين . . وهكذا « 1 » . . ثم ربط النبي صلى اللّه عليه وسلم هذا التآخي بين أفراد الصحابة بنطاق عام من الأخوة والموالاة ، كما سنجد فيما بعد . وقد قامت هذه الأخوة على أسس مادية أيضا ، وكان حكم التوارث فيما بينهم من بعض هذه الظواهر المادية ، وظلت حقوق هذا الإخاء مقدمة على حقوق القرابة إلى موقعة بدر الكبرى ، حيث نزل في أعقابها قوله تعالى : وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [ الأنفال : 75 ] ، فنسخت هذه الآية ما كان قبلها وانقطع أثر المؤاخاة الإسلامية في الميراث ، ورجع كل إنسان في ذلك إلى نسبه وذوي رحمه ، وأصبح المؤمنون كلهم إخوة . روى البخاري عن ابن عباس قال : كان المهاجرون حين قدموا المدينة يرث
--> ( 1 ) انظر سيرة ابن هشام : 1 / 504 ، وطبقات ابن سعد 3 / 2 .