محمد سعيد رمضان البوطي

154

فقه السيرة ( البوطي )

أحدهما : أنه جاء في رواية ابن عيينة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كلم عمهما اللذين كانا في حجره وكفالته وابتاعه منهما بواسطته « 1 » فلا حجة فيه لما ذهب إليه الحنفية . ثانيهما : أن للنبي صلى اللّه عليه وسلم ولاية في مثل هذه الأمور ، وأنه عليه الصلاة والسلام إنما اشترى الأرض منهما بوصف كونه وليا عاما لجميع المسلمين ، لا بوصف كونه فردا منهم . 3 - جواز نبش القبور الدارسة ، واتخاذ موضعها مسجدا إذا نظفت وطابت أرضها : ذكر الإمام النووي تعليقا على هذا الحديث فقال : فيه جواز نبش القبور الدراسة وأنه إذا أزيل ترابها المختلط بصديدهم ودمائهم جازت الصلاة في تلك الأرض ، وجواز اتخاذ موضعها مسجدا ، إذا طيبت أرضه . كما أن الحديث يدل على أن الأرض التي دفن فيها الموتى ودرست ، يجوز بيعها وأنها باقية على ملك صاحبها ، وورثته من بعده إذا لم توقف « 2 » ، وقد قال علماء السيرة عن تلك القبور التي كانت في المربد أنها كانت قبورا قديمة دارسة ، فلا يتأتى فيها تصور الصديد والدم ، ومع ذلك فقد نبشت وأزيل ما فيها من بقايا . قلت : ومحل جواز نبش القبور الدراسة واتخاذ أرضها مسجدا ، إذا لم تكن الأرض وقفا ، أما إذا كانت كذلك فلا يجوز تحويلها إلى شيء آخر غير ما وقفت له . 4 - حكم تشييد المساجد ونقشها وزخرفتها : والتشييد : أن تقام عمارة المسجد بالحجارة وشبهها مما يزيد في قوة بنائه ومتانة سقفه وأركانه ، والنقش والزخرفة : ما جاوز أصل البناء من شتى أنواع الزينة . فأما التشييد فقد أجازه واستحسنه العلماء عامة ، بدليل ما فعله عمر وعثمان رضي اللّه عنهما من إعادة بناء مسجده عليه الصلاة والسلام ، وهو وإن كان شيئا لم يفعله رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، إلا أن عدم فعله لم يدل على المفهوم المخالف ، أي المنع من التشييد والتقوية ، إذ لا يليق بهما وصف يخل بالحكمة التي من أجلها شرع بناء المساجد ، بل إن في ذلك زيادة في العناية والاهتمام بشعائر اللّه تعالى ، واستدل العلماء أيضا على ذلك بقوله تعالى : إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [ التوبة : 18 ] ،

--> ( 1 ) فتح الباري بشرح البخاري 8 / 175 . ( 2 ) إعلام الساجد : 236 .