محمد سعيد رمضان البوطي

151

فقه السيرة ( البوطي )

الأساس الأول ( بناء المسجد ) لقد كانت هجرة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى المدينة ، تعني نشأة أول دار إسلام إذ ذاك على وجه الأرض ، وقد كان ذلك إيذانا بظهور الدولة الإسلامية بإشراف منشئها الأول محمد عليه الصلاة والسلام . ولذا ، فقد كان أول عمل قام به الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، أن أقام الأسس الهامة لهذه الدولة ولقد كانت هذه الأسس ممثلة في هذه الأعمال الثلاثة التالية : أولا : بناء المسجد . ثانيا : المؤاخاة بين المسلمين عامة والمهاجرين والأنصار خاصة . ثالثا : كتابة وثيقة ( دستور ) حددت نظام حياة المسلمين فيما بينهم ، وأوضحت علاقتهم مع غيرهم بصورة عامة واليهود بصورة خاصة . وسنبدأ ، فنتحدث عن بناء المسجد أولا : قلنا فيما مضى : إن ناقته صلى اللّه عليه وسلم بركت في موضع كان لغلامين يتيمين من الأنصار ، وكان أسعد بن زرارة قد اتخذه مصلّى قبل هجرة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى المدينة ، فكان يصلّي بأصحابه فيه ، فأمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يا بني ذلك الموضع مسجدا ، ودعا الغلامين - وكانا في كفالة أسعد بن زرارة رضي اللّه عنه - فسام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيه ، فقالا : بل نهبه لك يا رسول اللّه ، فأبى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى ابتاعه منهما بعشرة دنانير « 1 » . وكان فيه شجر غرقد ونخل وقبور قديمة لبعض المشركين ، فأمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالقبور فنبشت وبالنخيل والشجر فقطعت ، وصفّت في قبلة المسجد ، وجعل طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مائة ذراع ، وفي الجانبين مثل ذلك أو دونه ، ثم بنوه باللبن ، وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يباشر البناء مع أصحابه وينقل معهم الحجارة بنفسه ، وجعل قبلته إلى بيت

--> ( 1 ) رواه البخاري : 4 / 258 ، وابن سعد في الطبقات 2 / 4 ، وانظر أعلام الساجد في أحكام المساجد للزركشي ص 223 ، وغيره من كتب السيرة ، إلا أنه ليس في البخاري أن الرسول ابتاعه منهما بعشرة دنانير ، قال في الفتح : ووقع عند موسى بن عقبة أنه اشتراه منهما بعشرة دنانير ، وزاد الواقدي أن أبا بكر دفعها لهما عنه .