محمد سعيد رمضان البوطي
152
فقه السيرة ( البوطي )
المقدس ، وجعل عمده الجذوع ، وسقفه بالجريد ، وقيل له : ألا نسقفه ؟ . فقال : « عريش كعريش موسى : خشيبات وثمام - نبت ضعيف قصير - الشأن أعجل من ذلك » « 1 » أما أرضه فقد بقيت مفروشة بالرمال والحصباء . وروى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك ، أنه صلى اللّه عليه وسلم كان يصلي حيث أدركته الصلاة ويصلي في مرابض الغنم ، قال : ثم إنه أمر ببناء المسجد ، فأرسل إلى ملأ من بني النجار فجاؤوا ، فقال : « يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا » ، فقالوا لا واللّه لا نطلب ثمنه إلا إلى اللّه ، فقال أنس فكان فيه ما أقول لكم : كانت فيه قبور المشركين ، وكانت فيه خرب ، وكان فيه نخل ، فأمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بقبور المشركين فنبشت ثم بالخرب فسويت وبالنخل فقطع ، قال : فصفوا النخل قبلة المسجد قال : وجعلوا عضادتيه حجارة وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم معهم وهو يقول : « اللهم لا خير إلا خير الآخرة فانصر الأنصار والمهاجرة » « 2 » . وقد ظل مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على هذا الشكل دون أي زيادة أو تغيير فيه مدة خلافة أبي بكر رضي اللّه عنه ، ثم زاد فيه عمر رضي اللّه عنه بعض التحسين ، ولكنه بناه على بنائه في عهد النبيّ صلى اللّه عليه وسلم باللبن ، والجريد وأعاد عمده خشبا ، ثم غيّره عثمان رضي اللّه عنه ، فزاد فيه زيادة كبيرة ، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقصة ( الجص ) « 3 » . العبر والدلائل : نأخذ من هذا الذي ذكرناه دلائل هامة نجملها فيما يلي : 1 - مدى أهمية المسجد في المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية : فقد أقبل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، بمجرد وصوله إلى المدينة المنورة واستقراره فيها ، على إقامة مجتمع إسلامي راسخ متماسك ، يتألف من هؤلاء المسلمين : الأنصار والمهاجرين الذين جمعتهم المدينة المنورة ، فكان أول خطوة قام بها في سبيل هذا الأمر ، بناء المسجد . ولا غرو ولا عجب ، فإن إقامة المسجد أول وأهم ركيزة في بناء المجتمع
--> ( 1 ) طبقات ابن سعد : 2 / 5 . ( 2 ) البخاري : 1 / 111 . ( 3 ) إعلام الساجد : 224 - 225 .