محمد سعيد رمضان البوطي
142
فقه السيرة ( البوطي )
طعامك أتيمم أنا وأم أيوب موضع يدك نبتغي بذلك البركة ، فقال : « إني وجدت فيه ريح هذه الشجرة ، وأنا رجل أناجى ، فأما أنتم فكلوه » ، قال : فأكلناه ، ثم لم نضع في طعامه شيئا من الثوم أو البصل بعد « 1 » . العبر والعظات : تحدثنا في فصل سابق عن معنى الهجرة في الإسلام ، عند تعليقنا على هجرة المسلمين إلى الحبشة ، وقلنا إذ ذاك ما خلاصته : إن اللّه عز وجل جعل قداسة الدين والعقيدة فوق كل شيء ، فلا قيمة للأرض والوطن والمال والجاه إذا كانت العقيدة وشعائر الدين مهددة بالحرب أو الزوال ، ولذا فرض اللّه على عباده أن يضحوا بكل ذلك - إذا اقتضى الأمر - في سبل العقيدة والإسلام . وقلنا أيضا : إن سنّة اللّه تعالى في الكون اقتضت أن تكون القوى المعنوية التي تتمثل في العقيدة السليمة والدين الحق هي المحافظة للمكاسب والقوى المادية ، فمهما كانت الأمة غنية في خلقها السليم متمسكة بدينها الصحيح فإن سلطانها المادي المتمثل في الوطن والمال والعزة يغدو أكثر تماسكا وأرسخ بقاء وأمنع جانبا ، ومهما كانت فقيرة في أخلاقها مضطربة تائهة في عقيدتها فإن سلطانها المادي المتمثل فيما ذكرنا يغدو أقرب إلى الاضمحلال والزوال ، وقلنا إن التاريخ أعظم شاهد على ذلك . ولذلك شرع اللّه عز وجل مبدأ التضحية بالمال والأرض في سبيل العقيدة والدين عندما يقتضي الأمر ذلك ، فيه يضمن المسلمون لأنفسهم المال والوطن والحياة ، وإن بدا لأول وهلة أنهم تعروا عن كل ذلك وفقدوه . وحسبنا دليلا على هذه الحقيقة هجره رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من مكة إلى المدينة ، لقد كانت بحسب الظاهر تركا للوطن وتضييعا له ، ولكنه كان في واقع الأمر حفاظا عليه وضمانة له ، ورب مظهر من مظاهر الحفاظ على الشيء يبدو في صورة الترك له والإعراض عنه ، فقد عاد بعد بضع سنوات من هجرته هذه - بفضل الدين الذي أقام صرحه ودولته - إلى وطنه الذي أخرج منه ، عزيز الجانب ، منيع القوة ، دون أن يستطيع أحد من أولئك الذين تربصوا به ولاحقوه بقصد القتل أن يدنوا إليه بأي سوء . . ولنعد الآن إلى التأمل فيما سردناه من قصة هجرته عليه الصلاة والسلام لنستنبط منها الدلالات والأحكام الهامة لكل مسلم .
--> ( 1 ) الإصابة لابن حجر : 1 / 405 ، وسيرة ابن هشام : 1 / 479 ، وترتيب مسند الإمام أحمد : 20 / 292 .