محمد سعيد رمضان البوطي
143
فقه السيرة ( البوطي )
1 - من أبرز ما يظهر لنا من قصة هجرته عليه الصلاة والسلام ، استبقاؤه لأبي بكر رضي اللّه عنه دون غيره من الصحابة كي يكون رفيقه في هذه الرحلة . وقد استنبط العلماء من ذلك مدى محبة الرسول صلى اللّه عليه وسلم لأبي بكر وأنه أقرب أصحابه إليه وأولاهم بالخلافة من بعده ، ولقد عززت هذه الدلالة أمور كثيرة أخرى مثل استخلافه عليه الصلاة والسلام له في الصلاة بالناس عند مرضه وإصراره على أن لا يصلي عنه غيره ، ومثل قوله في الحديث الصحيح : « لو كنت متخذا خليلا لا تخذت أبا بكر خليلا » « 1 » . ولقد كان أبو بكر رضي اللّه عنه - كما رأينا - على مستوى هذه المزية التي أكرمه اللّه بها ، فقد كان مثال الصاحب الصادق بل والمضحي بروحه وكل ما يملك من أجل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ولقد رأينا كيف أبى إلا أن يسبق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في دخول الغار كي يجعل نفسه فداء له عليه الصلاة والسلام فيما إذا كان فيه سبع أو حية أو أي مكروه ينال الإنسان منه الأذى ، ورأينا كيف جنّد أمواله وابنه وبنته ومولاه وراعي أغنامه في سبيل خدمة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في هذه الرحلة الشاقة الطويلة . ولعمري إن هذا هو الذي يجب أن يكون عليه حال كل مسلم آمن باللّه ورسوله ، ولذا يقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين » « 2 » . 2 - قد يخطر في بال المسلم أن يقارن بين هجرة عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه وهجرة النبي عليه الصلاة والسلام ، ويتساءل : لماذا هاجر عمر علانية متحديا المشركين دون أي خوف ووجل ، على حين هاجر رسول اللّه مستخفيا محتاطا لنفسه ؟ أيكون عمر بن الخطاب أشد جرأة من النبي عليه الصلاة والسلام ؟ ! . . والجواب : أن عمر بن الخطاب أو أي مسلم آخر غير رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، يعدّ تصرفه تصرفا شخصيا لا حجة تشريعية فيه ، فله أن يتخير من الطرق والوسائل والأساليب ما يحلو له وما يتفق مع قوة جرأته وإيمانه باللّه تعالى . أما رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فهو مشرّع ، أي إن جميع تصرفاته المتعلقة بالدين تعتبر تشريعا لنا ، ولذلك كانت سنته هي المصدر الثاني من مصادر التشريع مجموع أقواله وأفعاله
--> ( 1 ) مسلم : 7 / 105 . ( 2 ) متفق عليه .