محمد سعيد رمضان البوطي

141

فقه السيرة ( البوطي )

ذكره المسعودي « 1 » فالتفت من حوله الأنصار ، كل يمسك زمام راحلته يرجون النزول عنده فكان صلى اللّه عليه وسلم يقول لهم : « دعوها فإنها مأمورة » فلم تزل راحلته تسير في فجاج المدينة وسككها حتى وصلت إلى مربد « 2 » لغلامين يتيمين من بني النجار أمام دار أبي أيوب الأنصاري ، فقال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « ههنا المنزل إن شاء اللّه » ، وجاء أبو أيوب فاحتمل الرحل إلى بيته ، وخرجت ولائد من بني النجار - فيما يرويه ابن هشام - فرحات بمقدم النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، وجواره لهن ، وهنّ ينشدن : نحن جوار من بني النجار * يا حبذا محمد من جار فقال عليه السلام لهنّ : « أتحببنني ؟ » فقلن : « نعم » فقال : « اللّه يعلم أن قلبي يحبكنّ » . صورة عن مقام النبي صلى اللّه عليه وسلم في بيت أبي أيوب روى أبو بكر بن أبي شيبة وابن إسحاق والإمام أحمد بن حنبل من طرق متعددة بألفاظ متقاربة أن أبا أيوب رضي اللّه عنه قال وهو يحدث عن أيام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عنده : لما نزل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في بيتي نزل في أسفل البيت وأنا وأم أيوب في العلو ، فقلت له : يا نبي اللّه ، بأبي أنت وأمي إني لأكره وأعظم أن أكون فوقك وتكون تحتي ، فاظهر أنت فكن في الأعلى ، وننزل نحن نكون في السفل ، فقال : « يا أبا أيوب ، إنه لأرفق بنا وبمن يغشانا أن نكون في أسفل البيت » . قال : فكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في سفله وكنا فوقه في المسكن ، ولقد انكسرت جرّة لنا فيها ماء يوما ، فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا ، وما لنا لحاف غيرها ننشف بها الماء ، تخوفا أن يقطر على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم منه شيء يؤذيه ، فنزلت إليه وأنا مشفق ، فلم أزل أستعطفه حتى انتقل إلى العلو . قال : وكنا نضع له العشاء ، ثم نبعث به إليه ، فإذا ردّ علينا فضله تيممت أنا وأم أيوب موضع يده ، فأكلنا منه نبتغي بذلك البركة ، حتى بعثنا إليه ليلة بعشائه وقد جعلنا له بصلا وثوما ، فرده رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولم أر ليده فيه أثرا ، فجئته فزعا فقلت : يا رسول اللّه بأبي أنت وأمي ، رددت عشاءك ولم أر فيه موضع يدك ، وكنت حينما ترد علينا فضل

--> ( 1 ) مروج الذهب : 2 / 279 ، ط . بيروت . ( 2 ) مربد : أرض يجفف فيها التمر .