محمد سعيد رمضان البوطي

140

فقه السيرة ( البوطي )

المشركين ، كانا قد استأجراه ، ليدلهما على الطرق الخفية إلى المدينة بعد أن اطمأنّا إليه ، وواعداه مع الراحلتين عند الغار - فسارا متبعين طريق الساحل بإرشاد من عبد اللّه بن أرقط . وكان قد جعل مشركو مكة لكل من أتى برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأبي بكر رضي اللّه عنه دية كل منهما . وذات يوم ، بينما كان جماعة من بني مدلج في مجلس لهم ، وبينهم سراقة بن جعشم ، إذ أقبل إليهم رجل منهم فقال : إني قد رأيت آنفا أسودة بالساحل . أراهما محمدا وأصحابه ، فعرف سراقة أنهم هم ، ولكنه أراد أن يثني عزم غيره عن الطلب ، فقال له : إنك قد رأيت فلانا وفلانا ، انطلقوا بأعيننا يبتغون ضالّة لهم ، ثم لبث في المجلس ساعة ، وقام فركب فرسه ثم سار حتى دنا من الرسول فعثرت به فرسه فخرّ عنها ، ثم ركبها ثانية وسار حتى صار يسمع قراءة النبيّ صلى اللّه عليه وسلم وهو لا يلتفت ، وأبو بكر يكثر الالتفات ، فساخت قائمتا فرس سراقة في الأرض حتى بلغتا الركبتين ، فخرّ عنها ثم زجرها حتى نهضت ، فلم تكد تخرج يديها حتى سطع لأثرهما غبار ارتفع في السماء مثل الدخان ، فعلم سراقة أنه ممنوع عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وداخله رعب عظيم ، فناداهما بالأمان . فوقف عليه الصلاة والسلام ومن معه حتى وصل إليهم ، فاعتذر إليه وسأله أن يستغفر له ، ثم عرض عليهما الزاد والمتاع ، فقالا له : لا حاجة لنا ، ولكن عم عنا الخبر ، فقال : « كفيتم » « 1 » . ثم عاد سراقة أدراجه إلى مكة وهو يصرف أنظار الناس عن الرسول ومن معه بما يراه من القول . . . وهكذا انطلق إليهما في الصباح جاهدا في قتلهما ، وعاد في المساء يحرسهما ويصرف الناس عنهما . قدوم قباء ووصل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قباء ، فاستقبله من فيها وأقام فيها بضعة أيام نازلا على كلثوم بن هدم ، حيث أدركه فيها علي رضي اللّه عنه بعد أن أدّى عنه الودائع إلى أصحابها ، وأسس النبيّ صلى اللّه عليه وسلم هناك مسجد قباء ، وهو المسجد الذي وصفه اللّه بقوله : لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ . . . الآية [ التوبة : 108 ] . ثم واصل سيره إلى المدينة فدخلها لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول على ما

--> ( 1 ) متفق عليه ، والتفصيل للبخاري : 4 / 225 - 256 .