محمد سعيد رمضان البوطي

139

فقه السيرة ( البوطي )

قالت : فدخل علينا جدي أبو قحافة وقد ذهب بصره فقال : واللّه إني لأراه قد فجعلكم بماله مع نفسه ، قلت : كلا يا أبت ، إنه قد ترك لنا خيرا كثيرا ، قالت : فأخذت أحجارا فوضعتها في كوة في البيت الذي كان أبي يضع ماله فيها ، ثم وضعت عليها ثوبا ، ثم أخذت بيده ، فقلت : يا أبت ضع يدك على هذا المال ، قالت : فوضع يده عليه قال : لا بأس . إذا كان ترك لكم هذا فقد أحسن ، وفي هذا بلاغ لكم ، ولا واللّه ما ترك لنا شيئا ولكني أردت أن أسكت الشيخ بذلك « 1 » . ولما كانت عتمة تلك الليلة التي هاجر فيها النبيّ صلى اللّه عليه وسلم اجتمع المشركون على باب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يتربصون به ليقتلوه ، ولكنه عليه الصلاة والسلام خرج من بينهم وقد ألقى اللّه عليهم سنة من النوم بعد أن ترك عليا رضي اللّه عنه في مكانه نائما على فراشه ، وطمأنه بأنه لن يصل إليه أي مكروه . وانطلق رسول اللّه وصاحبه أبو بكر إلى غار ثور ليقيما فيه ، وكان ذلك على الراجح في اليوم الثاني من ربيع الأول الموافق 20 أيلول سنة ( 622 م ) بعد أن مضى ثلاث عشرة سنة من البعثة ، فدخل أبو بكر قبل الرسول صلى اللّه عليه وسلم فلمس الغار ، لينظر أفيه سبع أو حية ، يقي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بنفسه ، فأقاما فيه ثلاثة أيام ، وكان يبيت عندهما عبد اللّه بن أبي بكر يخبرهما بأخبار مكة ، ثم يدلج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت بها ، وكان عامر بن فهيرة يروح عليهما بقطعة من الغنم ، فإذا خرج من عندهما عبد اللّه تبع عامر أثره بالغنم كي لا يظهر لقدميه أثر . أما المشركون فقد انطلقوا - بعد أن علموا بخروج النبي صلى اللّه عليه وسلم - ينتشرون في طريق المدينة ويفتشون عنه في كل المظانّ ، حتى وصلوا إلى غار ثور ، وسمع الرسول وصاحبه أقدام المشركين تخفق من حولهم فأخذ الروع أبا بكر وهمس يحدث النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : لو نظر أحدهم تحت قدمه لرآنا . فأجابه عليه الصلاة والسلام : « يا أبا بكر ، ما ظنّك باثنين اللّه ثالثهما » « 2 » ؟ . فأعمى اللّه أبصار المشركين حتى لم يحن لأحد منهم التفاته إلى ذلك الغار ، ولم يخطر ببال واحد منهم أن يتساءل عما يكون بداخله . ولما انقطع الطلب عنهما خرجا ، بعد أن جاءهما عبد اللّه بن أرقط - وهو من

--> ( 1 ) سيرة ابن هشام : 1 / 488 ، وترتيب مسند الإمام أحمد : 20 / 282 . ( 2 ) متفق عليه .