محمد سعيد رمضان البوطي
136
فقه السيرة ( البوطي )
أما أهل المدينة الذين آووهم في بيوتهم وواسوهم ونصروهم ، فقد قدّموا المثل الصادق للأخوة الإسلامية والمحبة في اللّه عز وجل . وأنت خبير أن اللّه عز وجل قد جعل أخوة الدين أقوى من أخوة النسب وحدها ، ولذلك كان الميراث في صدر الإسلام على أساس وشيجة الدين ، وإخوته والهجرة في سبيله . ولم يستقر حكم الميراث على أساس علاقة القرابة إلا بعد أن تكامل الإسلام في المدينة ، وصارت للمسلمين دار إسلام قوية منيعة . يقول اللّه عز وجل : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا [ الأنفال : 72 ] . ثم إنه يستنبط من مشروعية هذه الهجرة حكمان شرعيان : 1 - وجوب الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام ، روى القرطبي عن ابن العربي « أن هذه الهجرة كانت فرضا في أيام النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، وهي باقية مفروضة إلى يوم القيامة ، والتي انقطعت بالفتح ، إنما هي القصد إلى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، فإن بقي في دار الحرب عصى » « 1 » . ومثل دار الحرب في ذلك كل مكان لا يتسنى للمسلم فيه إقامة الشعائر الإسلامية من صلاة وصيام وجماعة وأذان ، وغير ذلك من أحكامه الظاهرة . ومما يستدل به على ذلك قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً ( 97 ) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا [ النساء : 97 و 98 ] . 2 - وجوب نصرة المسلمين بعضهم لبعضهم ، مهما اختلفت ديارهم وبلادهم ما دام ذلك ممكنا ، فقد اتفق العلماء والأئمة على أن المسلمين إذا قدروا على استنقاذ المستضعفين أو المأسورين أو المظلومين من إخوانهم المسلمين ، في أي جهة من جهات الأرض ، ثم لم يفعلوا ذلك ، فقد باؤوا بإثم كبير . يقول أبو بكر بن العربي : إذا كان في المسلمين أسراء أو مستضعفون فإن الولاية معهم قائمة ، والنصرة لهم واجبة بالبدن ، بأن لا تبقى منا عين تطرف ، حتى نخرج إلى
--> ( 1 ) تفسير القرطبي 5 / 350 .