محمد سعيد رمضان البوطي

137

فقه السيرة ( البوطي )

استنقاذهم إن كان عددنا يحتمل ذلك ، أو نبذل جميع أموالنا في استخراجهم ، حتى لا يبقى لأحد درهم من ذلك « 1 » . وكما تجب موالاة المسلمين بعضهم لبعض ، فإنه يجب أن تكون هذه الموالاة فيما بينهم ، ولا يجوز أن يشيع شيء من الولاية أو التناصر أو التآخي بين المسلمين وغيرهم ، وهذا ما يصرح به كلام اللّه عز وجل ، إذ يقول : وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ ( 73 ) [ الأنفال : 73 ] . يقول ابن العربي : قطع اللّه الولاية بين الكفار والمؤمنين ، فجعل المؤمنين بعضهم أولياء بعض ، وجعل الكافرين بعضهم أولياء بعض ، يتناصرون بدينهم ويتعاملون باعتقادهم « 2 » . ولا ريب أن تطبيق مثل هذه التعاليم الإلهية ، هو أساس نصرة المسلمين في كل عصر وزمن ، كما أن إهمالهم لها وانصرافهم إلى ما يخالفها ، هو أساس ما نراه اليوم من ضعفهم وتفككهم وتألب أعدائهم عليهم من كل جهة وصوب . هجرة الرسول صلى اللّه عليه وسلم جاء في صحاح السنة وما رواه علماء السيرة أن أبا بكر رضي اللّه عنه لما وجد المسلمين قد تتابعوا مهاجرين إلى المدينة ، جاء يستأذن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هو الآخر في الهجرة ، فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « على رسلك ، فإني أرجو أن يؤذن لي » فقال أبو بكر : وهل ترجو ذلك بأبي أنت وأمي ؟ قال : « نعم » ، فحبس أبو بكر نفسه على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليصحبه ، وعلف راحلتين كانتا عنده ، وأخذ يتعهدهما بالرعاية أربعة أشهر « 3 » . وفي هذه الأثناء رأت قريش أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد صارت له شيعة وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم ، فحذروا خروج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إليهم وخافوا أن يكون قد أجمع لحربهم ، فاجتمعوا له في دار الندوة - وهي دار قصي بن كلاب التي كانت قريش لا تقضي أمرا إلا فيها - يتشاورون فيما يصنعون بأمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فاجتمع رأيهم أخيرا على أن يأخذوا من كل قبيلة فتى شابا جلدا ، ثم يعطى كل منهم سيفا صارما ، ثم يعمدوا

--> ( 1 ) أحكام القرآن لابن العربي : 2 / 876 . ( 2 ) المرجع السابق : 2 / 876 . ( 3 ) البخاري : 4 / 255 .