محمد سعيد رمضان البوطي

129

فقه السيرة ( البوطي )

الأخيرة على حرب الأحمر والأسود أخذ لنفسه واشترط على القوم لربه ، وجعل لهم على الوفاء بذلك الجنة . قال عبادة بن الصامت : بايعنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بيعة الحرب ، على السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا ومنشطنا ومكرهنا وأثرة علينا ، وأن لا ننازع الأمر أهله ، وأن نقول بالحق أينما كنا ، لا نخاف في اللّه لومة لائم . وكانت أول آية نزلت في الإذن بالحرب للرسول صلى اللّه عليه وسلم قوله تبارك وتعالى : أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ( 39 ) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ « 1 » [ الحج : 39 و 40 ] . العبر والعظات : هذه البيعة الثانية تتفق في جوهرها مع بيعة العقبة الأولى . فكل منهما إعلان عن الدخول في الإسلام أمام رسول اللّه ، وأخذ للمواثيق والعهود على السمع والطاعة والإخلاص لدين اللّه ، والانصياع لأوامر رسوله . إلا أننا نلحظ فارقين مهمين جديرين بالملاحظة والدرس ، بين كل من بيعة العقبة الأولى ، وبيعة العقبة الثانية . الفارق الأول : أن عدد المبايعين من أهل المدينة في المرة الأولى كان اثني عشر ، أما عددهم في البيعة الثانية فقد كان بضعة وسبعين بينهم امرأتان . فقد عاد أولئك الاثنا عشر في السنة الأولى - ومعهم مصعب بن عمير - لا لينطوي كل على نفسه وينعزل في بيته ، بل ليبشر بالإسلام كل من كان حوله من رجال ونساء : يتلو عليهم قرآنه ويبين لهم أحكامه ونظامه ، فمن أجل ذلك انتشر الإسلام تلك السنة في المدينة انتشارا عظيما حتى لم يبق دار إلا دخلها الإسلام ، وأصبح حديث أهلها في عامة الأوقات عن الإسلام وخصائصه وأحكامه . وتلك هي وظيفة المسلم في كل عهد وفي كل مكان . الفارق الثاني : أن البنود المنصوص عليها في البيعة الأولى ، خالية عن الإشارة إلى الجهاد بالقوة ، ولكنها في البيعة الثانية تضمنت الإشارة بل التصريح بضرورة الجهاد

--> ( 1 ) سيرة ابن هشام ، ومسند الإمام أحمد ، والطبري ، والعمدة في كل ذلك على ابن إسحاق عن معبد بن كعب بن مالك .