محمد سعيد رمضان البوطي

130

فقه السيرة ( البوطي )

والدفاع عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والدعوة إلى دينه بكل وسيلة . وسبب هذا الفارق أن أرباب البيعة الأولى انصرفوا وهم على موعد مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في المكان ذاته في الموسم التالي ، ليعودوا إليه بعدد أوفر من المسلمين ويجددوا العهد والمبايعة ، فلم يكن ثمة ما يستوجب مبايعته على القتال ، ما دام أن الإذن به لم يأت بعد ، وما دام أن هؤلاء المبايعين سيلتقون بعد عام مرة أخرى برسول اللّه . لقد كانت البيعة الأولى إذا بيعة مؤقتة ، بالنسبة لاقتصارها على تلك البنود فقط ، وهي البنود التي بايع عليها النساء فيما بعد . أما البيعة الثانية ، فقد كانت الأساس الذي هاجر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى المدينة بناء عليه ، ولذا فقد كانت شاملة للمبادىء التي ستتم مشروعيتها بعد الهجرة إلى المدينة ، وفي مقدمتها الجهاد والدفاع عن الدعوة بالقوة ، وهو حكم وإن لم يكن قد أذن اللّه بشرعيته في مكة ولكن اللّه عز وجل قد ألهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن ذلك سيشرع في المستقبل القريب . ومن هنا تعلم أن مشروعية القتال في الإسلام لم تكن إلا بعد هجرته صلى اللّه عليه وسلم على الصحيح ، وليس كما قد يفهم من كلام ابن هشام في سيرته أنه إنما شرع قبل الهجرة عند بيعة العقبة الثانية ، وليس في بنود تلك البيعة ما قد يدل على مشروعية القتال حينئذ ، لأن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم إنما أخذ على أهل المدينة عهد الجهاد نظرا للمستقبل ، عندما سيهاجر إليهم ويقيم بينهم في المدينة ، والدليل على هذا ما سبق ذكره أن العباس بن عبادة قال بعد البيعة : واللّه الذي بعثك بالحق إن شئت لنميلن على أهل منى غدا بأسيافنا ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لم نؤمر بذلك ولكن ارجعوا إلى رحالكم » . ومن المتفق عليه أن أول آية نزلت في الجهاد ومشروعيته هي قوله تعالى : أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ( 39 ) [ الحج : 39 ] ، وقد روى الترمذي والنسائي وغيرهما عن ابن عباس قال : لما أخرج النبيّ صلى اللّه عليه وسلم من مكة ، قال أبو بكر : أخرجوا نبيهم ، إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ [ البقرة : 156 ] ، ليهلكنّ ، قال ابن عباس فأنزل اللّه عز وجل : أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ( 39 ) [ الحج : 39 ] قال أبو بكر رضي اللّه عنه فعرفت أن سيكون قتال « 1 » . 1 - من المناسب أن يسبق القتال تعريف بالإسلام ، ودعوة إليه وإقامة لحججه وحل للمشكلات التي قد تقف في سبيل فهمه ، ولا ريب أن هذه هي المراحل الأولى في

--> ( 1 ) النسائي : 2 / 52 وتفسير ابن كثير : 3 / 224 .