محمد سعيد رمضان البوطي

11

فقه السيرة ( البوطي )

وكان السبيل الوحيد إلى هذا التسلل نحو القيادة العلمية والفكرية داخل الأزهر ، الاعتماد على نقطة ضعف أليمة كانت تعاني منها مشاعر الأمة الإسلامية عامة ، بما فيها مصر وغيرها . وهي إحساس المسلمين بما انتابهم من الضيعة والتخلف والشتات ، إلى جانب ملاحظتهم للنهضة العجيبة التي نهضها الغرب في شتى المجالات الفكرية والعلمية والحضارية ! . . لقد كان المسلمون يتطلعون ولا ريب إلى اليوم الذي يتحررون فيه من الأثقال التي خلفتهم إلى الوراء ، ليشتركوا مع الآخرين في رحلة الحضارة والمدنية والعلم الحديث . من هذا السبيل تسلل الهمس ، بل الكيد الاستعماري إلى صدور بعض من قادة الفكر في مصر . ولقد كان مؤدي هذا الهمس أن الغرب لم يتحرر من أغلاله إلا يوم أخضع الدين لمقاييس العلم . . . فالدين شيء والعلم شيء آخر . ولا يتم التوفيق بينهما إلا بإخضاع الأول للثاني . وإذا كان العالم الإسلامي حريصا حقا على مثل هذا التحرر فلا مناص له من أن يسلك الطريق ذاته ، وأن يفهم الإسلام هنا ، كما فهم الغرب النصرانية هناك . ولا يتحقق ذلك إلا بتخلص الفكر الإسلامي من سائر الغيبيات التي لا تفهم ولا تخضع لمقاييس العلم الحديث . وسرعان ما خضع لهذا الهمس ، أولئك الذين انبهرت أبصارهم بمظاهر النهضة الأوروبية الحديثة ، ممن لم تترسخ حقائق الإيمان باللّه في قلوبهم ولا تجلت حقائق العلم الحديث وضوابطه في عقولهم ، فتنادوا فيما بينهم إلى التحرر من كل عقيدة غيبية لم تصل إليها اكتشافات العلم الحديث . ولم تدخل تحت سلطان التجربة والمشاهدة الإنسانية . فكان أن قاموا بما أسمي فيما بعد بالإصلاح الديني ، واقتضى منهم ذلك أمورا عديدة . منها تطوير كتابة السيرة النبوية وفهمها ، واعتماد منهج جديد في تحليلها . يتفق وما استهدفوه من الإعراض عن كل ما يدخل في نطاق الغيبيات والخوارق التي لا يقف العلم الحديث منها موقف فهم أو قبول . ولقد كان لهم في الطريقة الذاتية في كتابة التاريخ خير ملجأ يعينهم على تحقيق ما قصدوا إليه . وبدأت تظهر كتب وكتابات في السيرة النبوية ، تستبدل بميزان الرواية والسند وقواعد التحديث وشروطه . طريقة الاستنتاج الشخصي . وميزان الرضا النفسي . ومنهج التوسم الذي لا يضبطه شيء إلا دوافع الرغبة ، وكوامن الأغراض والمذاهب التي يضمرها المؤلف .