محمد سعيد رمضان البوطي
12
فقه السيرة ( البوطي )
واعتمادا على هذه الطريقة أخذ يستبعد هؤلاء الكاتبون كل ما قد يخالف المألوف ، مما يدخل في باب المعجزات والخوارق من سيرته صلى اللّه عليه وسلم . وراحوا يروّجون له صفة العبقرية والعظمة والبطولة وما شاكلها ، شغلا للقارئ بها عن صفات قد تجره إلى غير المألوف من النبوة والوحي والرسالة ونحوها مما يشكل المقومات الأولى لشخصية النبي صلى اللّه عليه وسلم . ويعدّ كتاب « حياة محمد » لحسين هيكل أبرز نموذج لهذا الاتجاه في كتابة السيرة النبوية ، ويعبر مؤلفه عن اتجاهه هذا بصراحة وفخر عندما يقول : « إنني لم آخذ بما سجلته كتب السيرة والحديث ، لأنني فضلت أن أجري في هذا البحث على الطريقة العلمية » ! . . ومن نماذج هذه الطريقة الحديثة في كتابة السيرة وفهمها : تلك المقالات المتتابعة التي نشرها المرحوم محمد فريد وجدي في مجلة « نور الإسلام » تحت عنوان : ( السيرة المحمدية تحت ضوء العلم والفلسفة ) والتي يقول في بعض منها : « وقد لاحظ قراؤنا أننا نحرص كل الحرص فيما نكتبه في هذه السيرة على ألا نسرف في كل ناحية إلى ناحية الإعجاز ، ما دام يمكن تعليلها بالأسباب العادية حتى ولو بشيء من التكلف » . ومن نماذج هذه الطريقة أيضا تلك الكتابات الكثيرة التي ظهرت ظهرت لطائفة من المستشرقين عن حياة سيدنا محمد صلى اللّه عليه وسلم في نطاق أعمالهم وكتاباتهم التاريخية التي قامت على المنهج الذاتي الذي ألمحنا إليه آنفا . إنك لتراهم يمجدون شخص محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وينوهون بعظمته وصفاته الحميدة ، ولكن بعيدا عن كل ما قد ينبه القارئ إلى شيء من معنى النبوة أو الوحي في حياته ، وبعيدا عن الاهتمام بالأسانيد والروايات التي قد يضطرهم الأخذ بها إلى اليقين بأحداث ووقائع ليس من صالحهم اعتمادها أو الاهتمام بها . وهكذا وجد أبطال هذه المدرسة الجديدة في اتباع المذهب الذاتي في كتابة التاريخ ، الميدان الفسيح الذي يمكنهم من نبذ كل ما لا يعجبهم من حقائق السيرة النبوية مهما جاءت مدعومة بدلائل العلم واليقين ، متخذين من ميولهم النفسية ، ورغباتهم الشخصية وأهدافهم البعيدة ، حاكما مطلقا على حقائق التاريخ وتحليل ما وراءه من العوامل ، وحكما مطلقا لقبول ما ينبغي قبوله ورفض ما يجب رفضه . لقد رأينا - مثلا - أن كل خارقة مما قد جاء به متواتر السنة ، وربما صريح القرآن ، تؤول ولو بتكلف وتمحل بما يعيدها إلى الوفاق مع المألوف ، وبما يجعلها تنسجم مع