محمد سعيد رمضان البوطي
108
فقه السيرة ( البوطي )
على أنه ينبغي أن يكون هنالك قادة للدعوة الإسلامية في كل عصر وزمن ، يخلفون قيادة النبي صلى اللّه عليه وسلم في الدعوة ، فعلى المسلمين كلهم أن يكونوا من حولهم جنودا مخلصين لهم ، يفدونهم بالمهج والأموال ، كما كان شأن المسلمين مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . رابعا : فيما قصه علينا ابن إسحاق من استماع النفر من الجن إليه ، وهو يصلي من جوف الليل بنخلة ، دليل على وجود الجن وأنهم مكلفون ، وأن منهم من آمن باللّه ورسوله ومنهم من كفر ولم يؤمن . وقد ارتفعت هذه الدلالة إلى درجة القطع ، بحديث القرآن عنهم في نصوص قاطعة صريحة كالآيات التي في صدر سورة الجن ، وكقوله تعالى في سورة الأحقاف : وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ [ الأحقاف : 29 ] إلى قوله تعالى : وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ [ الأحقاف : 31 ] . واعلم أن هذه القصة التي ساقها ابن إسحاق ورواها ابن هشام في سيرته ، قد ذكرها البخاري ومسلم والترمذي على نحو قريب وبتفصيل آخر . واللفظ الذي رواه البخاري بسنده عن ابن عباس ، أنه صلى اللّه عليه وسلم انطلق في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء ، وأرسلت عليهم الشهب ، فرجعت الشياطين فقالوا : ما لكم قد حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت علينا الشهب ؟ قال : ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا ما حدث ، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الأمر الذي حدث ، فانطلقوا فضربوا مشارق الأرض ومغاربها ينظرون ما هذا الأمر الذي حال بينهم وبين خبر السماء ؟ قال : فانطلق الذين توجهوا نحو تهامة إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بنخلة وهو عامد إلى سوق عكاظ ، وهو يصلّي بأصحابه صلاة الفجر ، فلما سمعوا القرآن تسمعوا له ، فقالوا : هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء ، فهنالك رجعوا إلى قومهم ، فقالوا : يا قومنا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا ، وأنزل اللّه عز وجل على نبيه صلى اللّه عليه وسلم : قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ [ الجن : 1 ] ، وإنما أوحي إليه قول الجن « 1 » . واللفظ الذي رواه مسلم والترمذي ، متفق مع هذا ، ولكنهما زادا عليه في صدر الحديث « ما قرأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على الجن ولا رآهم ، انطلق في طائفة . . » الحديث . قال في الفتح : فكأن البخاري حذف هذه اللفظة عمدا ، لأن ابن مسعود أثبت أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قرأ على الجن ، فكان ذلك مقدّما على نفي ابن عباس ، وقد أشار إلى ذلك
--> ( 1 ) البخاري : 6 / 73 .