محمد سعيد رمضان البوطي

109

فقه السيرة ( البوطي )

مسلم ، فأخرج عقب حديث ابن عباس هذا حديث ابن مسعود عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، قال : « أتاني داعي الجن فانطلقت معه فقرأت عليه القرآن » ، ويمكن الجمع بالتعدد « 1 » أي يمكن الجمع بين الروايتين بتعدد الحادثة . ثم إن هذا الذي رواه مسلم والبخاري والترمذي يختلف عما رواه ابن إسحاق من ناحيتين : الأولى : أن رواية ابن إسحاق خالية عن الإشارة إلى أنه كان يصلي بأصحابه ، بل هي تفيد أنه كان يصلي منفردا ، في حين أن الروايات الأخرى ذكرت أنه كان يصلي بأصحابه . الثانية : أن رواية ابن إسحاق ليس فيها تقييد الصلاة بالفجر ، والروايات الأخرى تنص على أنه كان يصلي الفجر . فأما رواية ابن إسحاق فلا إشكال فيها ، غير أن الرواية الأخرى تشكل من ناحيتين : الأولى : أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لم يكن معه في ذهابه إلى الطائف ورجوعه منها إلا زيد بن حارثة ، كما قد علمت ، فكيف يستقيم أنه كان يصلي بطائفة من أصحابه ؟ الثانية : أن الصلوات الخمس لم تشرع إلا ليلة الإسراء والمعراج ، وإنما كان المعراج بعد ذهاب الرسول إلى الطائف ، على ما ذهب إليه كثير من المحققين ، فكيف يستقيم أنه كان يصلي الفجر ؟ . والجواب على الإشكال الأول : أنه يحتمل أن يكون قد التقى ببعض من أصحابه عندما وصل إلى نخلة - وهو مكان قريب من مكة - فصلى بهم الفجر هناك . أما الإشكال الثاني ، فجوابه : أن يقال بأن حادثة الجن واستماعهم للقرآن منه صلى اللّه عليه وسلم تكرر أكثر من مرة ، فقد رويت مرة عن ابن عباس ورويت بصورة أخرى عن ابن مسعود ، وكل منهما صحيح ، وهذا ما ذهب إليه جمهور المحققين « 2 » هذا على القول بأن حادثة الإسراء والمعراج كانت بعد الهجرة إلى الطائف أما على القول بأنها كانت قبل ذلك فلا إشكال البتة . والذي يهمنا أن نعلمه بعد هذا كله ، هو أن على المسلم أن يؤمن بوجود الجن ،

--> ( 1 ) فتح الباري : 8 / 473 . ( 2 ) انظر عيون الأثر لابن سيد الناس : 1 / 118 ، وفتح الباري : 8 / 473 .