محمد سعيد رمضان البوطي

10

فقه السيرة ( البوطي )

وهذه الطريقة تجعل كتابة التاريخ وتدوينه عملا فنيا مجردا ، ولا تسمح بعدّه نهوضا بعمل علمي دقيق . ونحن وإن كنا لسنا بصدد الحديث عن المذاهب التاريخية ونقدها ، فإن علينا ألّا نخفي أسفنا من أن يجد هذا المذهب - في عصر العلم والاعتزاز به وبمنهجيته - دعاة إليه ومؤمنين به . ذلك لأن هذا المذهب كفيل أن يمزق جميع الحقائق والأحداث التي يحتضنها الزمن في هيكله القدسي القديم الماثل أمام الأجيال بفعل سبحات من أخيلة التوسم وشهوة الذات وعصبية النفس والهوى . وكم من حقيقة مسخت ، وأحداث نكّست ، وأمجاد دثرت ، وبرآء ظلموا ، تحت سلطان هذه المحكمة الوهمية الجائرة . فهل كان لهذا المذهب الجديد من تأثير على كتابة السيرة وطريقة تحليلها ؟ والحقيقة أن هذا المذهب الجديد في كتابة التاريخ قد أصبح أساسا لمدرسة جديدة في دراسة السيرة النبوية وفهمها عند طائفة من الباحثين . فكيف نشأت هذه المدرسة ؟ . . وما هي عوامل نشأتها ؟ . . وما مصيرها اليوم ؟ . . تعود نشأة هذه المدرسة إلى أيام الاحتلال البريطاني لمصر . لقد كانت مصر آنذاك منبر العالم الإسلامي كما نعلم . يعنو إليه بتفكيره وعقله كلما أراد أن يعلم عن الإسلام علما ، كما يعنو إلى كعبة اللّه بوجهه كلما أراد حجا أو صلاة . وكان في استمرار هذا الصوت العظيم من جانب ، وفي استمرار إنصات العالم الإسلامي إليه من جانب آخر ما لا يدع للاحتلال البريطاني فرصة هدوء أو استقرار . ومهما أخضعت بريطانيا لنفسها الوادي كله تحت سلطان من قوة الحديد والنار . فإنه خضوع موقوت لا يطمأن إليه ، ما بقيت للأزهر هذه القيادة الحية . لذا ، فقد كان لا بد للاحتلال البريطاني من الإقدام على أحد علاجين لا ثالث لهما : أولهما : أن يقطّع ما بين الأزهر والأمة ، بحيث لا يبقى له عليها من سلطان . ثانيهما : أن يتم التسلل إلى مركز العمليات القيادية في الأزهر ذاته . فتوجه قيادته الوجهة التي ترضي مصالح الاحتلال وتهيئ له أسباب الطمأنينة والاستقرار . ولم تتردد بريطانيا في اختيار العلاج الثاني ، نظرا إلى أنه أقرب منالا وأبعد عن الملاحظة والانتباه « 1 » .

--> ( 1 ) انظر مذكرات اللورد كرومر ، والاتجاهات الوطنية في الأدب الحديث للدكتور محمد محمد حسين .