محمد سعيد رمضان البوطي
63
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
ترى ؟ فأخبره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم خبر ما رأى ، فقال له ورقة : هذا الناموس ( أي جبريل أو الوحي ) الذي نزل على موسى يا ليتني فيها جذعا ( شابا قويا ) ليتني أكون حيّا إذ يخرجك قومك . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : أو مخرجيّ هم ؟ قال : نعم ، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي ، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا . ثم لم يلبث ورقة أن توفي وفتر الوحي . واختلف في الزمن الذي فتر فيه الوحي فقيل ثلاث سنوات ، وقيل أقل من ذلك ، والراجح ما رواه البيهقي من أن المدة كانت ستة أشهر « 22 » . ثم روى البخاري عن جابر بن عبد اللّه قال وهو يحدث عن فترة الوحي فقال في حديثه : « بينما أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء ، فرفعت بصري ، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فرعبت منه ، فرجعت فقلت : زملوني ، زملوني ، فأنزل اللّه عزّ وجلّ : يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ، قُمْ فَأَنْذِرْ إلى قوله : وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ فحمي الوحي وتواتر » . العبر والعظات : حديث بدء الوحي هذا ، هو الأساس الذي يترتب عليه جميع حقائق الدين بعقائده وتشريعاته . وفهمه واليقين به هما المدخل الذي لا بدّ منه إلى اليقين بسائر ما جاء به النّبي صلّى اللّه عليه وسلم من إخبارات غيبية وأوامر تشريعية ذلك أن حقيقة ( الوحي ) هي الفيصل الوحيد بين الإنسان الذي يفكر من عنده ويشرع بواسطة رأيه وعقله ، والإنسان الذي يبلغ عن ربّه دون أن يغيّر أو ينقص أو يزيد . من أجل هذا يهتم محترفو التشكيك بالإسلام ، بمعالجة موضوع الوحي في حياته صلّى اللّه عليه وسلم ، ويبذلون جهدا فكريا شاقّا ، في تكلّف وتمحل ، من أجل التلبيس في حقيقته والخلط بينه وبين الإلهام ، وحديث النفس ، بل وحتى الصرع أيضا . وذلك لعلمهم بأن موضوع ( الوحي ) هو منبع يقين المسلمين وإيمانهم بما جاء به محمد صلّى اللّه عليه وسلم من عند اللّه . فلئن أتيح تشكيكهم بحقيقته ، أمكن تكفيرهم بكل ما قد يتفرع عنه من عقائد وأحكام ، وأمكنهم أن يمهدوا لفكرة أن كل ما دعا إليه محمد صلّى اللّه عليه وسلم من المبادئ والأحكام التشريعية ليس إلا من تفكيره الذاتي . من أجل هذه الغاية ، أخذ محترفو الغزو الفكري ، يحاولون تأويل ظاهرة الوحي وتحريفها عما يرويه لنا المؤرخون وتحدث به صحاح السّنة الشريفة ، وإبعادها عن حقيقتها الظاهرة وراح كل منهم يسلك إلى ذلك ما يروق لخياله من فنون التصورات المتكلفة الغريبة . فمن متصور بأن محمدا عليه الصلاة والسلام لم يزل يفكر . . إلى أن تكونت في نفسه بطريقة
--> ( 22 ) راجع فتح الباري : 1 / 21